الحادي عشر من سبتمبر

الحادي عشر من سبتمبر

  bear

يمر اليوم بشعور غريب يحدث لي للمرة الأولى في حياتي حيث يكون مختلطاً بالأفكار المتغيرة و المترددة ، و المحشوة بالحيرة و المخاوف ، فاليوم يصادف تاريخ خروجي على هذا الكوكب البائس ، فاليوم ليس كأي يوم متكرر ، هو استثنائي ، على الاقل بالنسبة لي ، حيث وجدت نفسي عالقاً بإفكاري التي تغيرت كثيراً عن عامي السابق ، آمنت فيها أن القوة بكلمة ( لا ) يجب أن تقال ، و انزع غطاء الخوف عن رأسي ، و شعرت أنني لم أعد أصبح بشكل ملاحظ كما كنت سابقاً ، فالكثير لم يعد يرى و يشعر من هو يجلس بجانبه ، بدأنا نفقد أتصالنا بالأخرين وأصبحنا غارقين بعالمنا ، لا أحد يهتم بذاك الجالس بجانبه ويكثر من العطاس ، لا أن يقدم له منديلاً أو كوباً من المشروب الساخن ، لا أحد يهتم بغيابك أو بحضورك المتعب و المنهك من مآسي الحياة و أوجاعها ، أختفى ذلك الإحساس من العالم ، الذي كان يشعر بك ، بذلك الصف المدرسي بغيابك عن كرسيك و طاولتك ، أختفى إحساس ذلك الجمع الصغير من الأصدقاء الذي يتساءل عن سبب غيابك يوم أمس عن المدرسة ، لم يعد أحد يشعر بك يا هذا ، فكل ما يحيطك فقد إحساسه بالغير ، وأصبح متعلق بفلك أفكاره دون أن يعي بما يحيطه ، أصبح كل من حولنا يشبه تماماً كشجرة بيلسان ، معلق عليها أفكار لكنها لا تستعمل !

تأملات تحاصرني في يوم ميلادي ، ذلك الشعور المثير الذي لطالما أن ينتشي عند لحظة شعورك بالإنتقال إلى سن أكبر و أنه أصبح لزاماً عليه كتابة رقم أكبر في أوراق المستشفى ، في العمل ، وكل من يسألك عن عمرك ، رقم يزداد بالكتابة ، يريد أن يشعر بإحساس الأخرين في حياته قبل مماته.

لم أتوقع ذلك !

لم أتوقع ذلك !

1-20160810_175522_HDR

وصلت قبل أيام قليلة ، عائداً من ( سفر العزلة ) حيث أول الكلمات التي كانت تواجهني عند مقابلتي هي ( لقد تغير لون بشرتك و أسمرّت ) ، تفاجأت من أول ثلاثة قالوها لي ثم بعد ذلك أستوعبت أن الأمر حقيقة و نسياني لنفسي خلال الأيام الماضية على شواطئ محيط الكتابة كانت السبب في تسمر بشرتي تحت أشعة الشمس ، عموماَ لم أعر للموضوع أهتماماً سوى أنني فعلاً أندهشت من أحساس الغياب بين الأصدقاء وكلماتهم اللطيفه التي تقول في خفاياها أن أثري كان بائن و غيابي القصير الذي أستغرق ست و عشرين يوماً كانت تبدو لهم أكثر من ذلك لهم ، وهذا الأكتشاف ينضم لسلسلة أكتشافاتي المجيدة لهذا الشهر !

حيث كانت الفكرة غريبة وجنونية ، وصدقوني لم أكن أتوقع أن أسافر إلا قبلها بأيام قليلة وحدث ذلك بشكل مفاجيء و متسارع في نفس الوقت قررت فيها السفر ، هروباً ، إلى عالم أستطيع فيه أن أختلي بنفسي ، كانت أول الأشياء أن أحجز لزوجتي الغائبة وطلبت منها الحضور و قطع إجازتها العائلية ، لم أخبرها حينها متعمداً و كانت الفرصة مواتية حيث حجزت لها في وقت ضيق لم تستطع حتى هي أن تسأل .. ( في الحقيقة فهي لن تسأل حتى لو كان ذلك )

كنت بعد ذلك أنا و هي على ذلك الشاطيء ، قلت لها لقد حدث أمر طاريء ، مالت برأسها علي و كأنها خائفة ، و كأنها تريد أن تطمئنني في نفس الوقت ! ، قلت وبشكل جدي أنني سوف أنشغل في تحرير الكتاب ولذلك طلبت منك قطع أجازتك العائلية وأريدك أن تكوني مساعدتي في التحرير و الكتابة و الألهام ، فكانت خير عون ، حيت لم أستطع الكتابة لسطر واحد دون أن أقوم بتمرير أصابعي بين خصلات شعرها الغجري الذي يشابه لون القهوة ، كانت تضع رأسها غالباً عند كتفي وأنا أكتب ، وفي كل سطر كانت يدي تمرر أصابعها بين خصلات شعرها لتعطيني المجد و الرصافة في الكتابة !

قلت لها بعد مرور أسبوع ، قد أقول شيئاً غريباً ، ولكن لا تستغربي ، كانت كعادة نظراتها تزداد تركيزاً معي ، وأشعر بأهتمامها الجارف الذي يشتعل دائماً عندما أكون بجانبها ، قلت لها هذه الأيام أنا أكتب ولا أشعر بنفسي ، صرت أشعر بأني في حالة أنفصال تام عن ما تطلقه يداي من أحرف و كلمات ، كانت تضحك و تقول أستعذ بالله ! ، قلت صدقيني لم أعلم أن وجودك أنتي و الشاطيء  و المحيط يكونون دافع قوي و أجنحة أطير بها ، نعم أنا في الأرض ولكني أطير ، لا ألمس الأرض ، ولكن أنا على الأرض ، أحساس فلسفي ولكن حقيقي ، فهذه السماء جزء من الأرض ، وعندما يطير الطائر فهو في الحقيقة لازال على الأرض لم يذهب إلى الفضاء ، أو إلى كوكب آخر ، هو لا زال ساكن أرضي ، لم ينتقل إلى المريخ أو الزهرة !

كنت أقول لها هذا ، وهو شرح بسيط لما أعنيه بالكتابة ، نعم فانا منفصل عن يدي ، ولكن يدي لازالت جزء مني ، عندما تشعر في لحظة أنك فقدت السيطرة عليها وأصبحت تكتب من ذاتها ، كما ترى الطائر في السماء يحلق بذاته ، ولكن لم يخترق السماء ، فهو في الحقيقة لازال جزء من الأرض ولم يطير إلى السماء .. يدي لازالت مني  ولكن بنفس حالة الطير كأنها تطير ..

wp-1472673225634.jpg
كنت أرتاح من الكتابة عبر التلوين في كتابها

 

كانت أهم نصائحها وهي تبدأ قراءة صفحاتي الأولى التي كنت أقوم بتبييضها بعد أن كانت مسوّدة ، أن أقوم بتقسيم إلى أجزاء صغيرة ، بصفحتين أو ثلاث ، لا تتعدى حروف كل جزء منها خمس مائة كلمة ، كانت تحاججني بقولها أن الناس توجهوا إلى الـ Microblogging وتعني بالكتابة المصغرة مثل تويتر أو حتى للمقاطع الفيديو الصغيرة ، لم يعد يرغبون بمشاهدة أو قراءة الأشياء الطويلة ، كنت إلى تلك اللحظات غير مقتنع بهذه الفكرة رغم تكرارها من الكثير من حولي ، كنت أجد أن أمانتي في النقل بما أملكه من أفكار أود أن أطرحها ، لا يمكن أن أشرحها بتلك الأسطر القليلة ، سأشعر أنني بخيل بما أعرف ، كان هذا الشعور يتملكني وكانت تهدئني ، وتطمني بأن كل ما أكتبه سيفهمه من يقرأ دون الحاجة أن أطيل في الكتابة ، كانت كلماتها محفزة لي ولم أصدق أنني كنت أكتب تلك الفصول الصغيرة ، حيث كل فصل لا يأخذ في القراءة من 4 دقائق إلى 5 دقائق حيث يستطيع كل شخص أن يتوقف متى شاء في أي فصل وأن يتنقل بينهم ليجمع الأفكار بسهولة ودون عائق سردي طويل ممل كما هي حال الكتب القديمة ..