شهر الأحلام – يناير

شهر الأحلام – يناير

تبقى الأحلام أسيرة النوم ، حدودها تلك الوسادة الناعمة التي تحتضن رأسك وتمد إليه شعور الراحة أثناء النوم ، لتستيقظ غالباً لا تذكر شيء مما عايشته قبل لحيظات قليلة ، تحديداً في أعماق نومك أحسست به ، حتى أنك شعرت بيدك وهي تتحرك ورجلك وهي تركض ، إلا إننا نصادف أحياناً نادرة تلك الأحلام الصغيرة محفوظة تنتظرنا نجدها عندما نقوم من النوم كحلوى صغيره ، ملفوفه بعنايه ، وموضوعه بدون أن ننتبه تحت وسادتنا ، سرعان ما يأتي بعدها مشاعر بالرغبة بالبحث تحت الوسائد عن بقايا لهذه الحلوى الصغيرة ، تود معرفة من وضعها تحت رأسك بدون أن تشعر بذلك ـ بدون أن تحس برأسك قد تحرك من مكانه.

وهنا شهر يناير ، توقفت فيه نفسي وتشبثت لحظات التساؤل بداخل عقلي عند الأحلام ، متحيراً عند الأحلام ، أتفكر في ماهيتها ، ما تكوينها ، وما الفائدة منها ؟ ، ولا أخفيكم بإن الحيرة لا زالت في أوجها في رأسي ، متيقظة لا تبقي ولا تذر لأي أجابة منطقية لكي تبذر للثبات أشجار تقف ضد رياح الأوهام.

متى يكون الحلم حلماً ؟ ومتى يكون وهماً أو يتحول إلى وهم ؟

مشاعري مع الأحلام لم تكن عبثية في هذا الشهر ولم تولد من نفسها ، فهي مستمده من رواية الجريمة و العقاب والتي أستغرقت في قرائتها أسابيعي الثلاث الفائتة وعشت فيها أحلام روديون راسكلينوف !!

وأستعير فيها مشهد ( الحصان القتيل ) من الكتاب والذي أثر فيني كثيراً ورغم أنني تجاوزته بصفحات كثيرة إلا أنني عدته من جديد ، كنت كلما أقرأ في الكتاب ، أعود لقرائته ، والذي آثر فيني بشكل بالغ ، فبسببه جعلت جرعة أحلامي لهذا الشهر تتجاوز حدها المعتاد بأضعاف مضاعفة لم أحتملها ، فمن خلال أستعارتي أبين عظمة الحوارات التي يجريها دوستفسكي ، تحديداً الحوارات النفسية.


images

في حالات المرض ، تتميز الأحلام ببروز قوى شديدة خارقة ، وتتميز كذلك بتشابه كبير مع الواقع ، قد يكون مجموع اللوحة عجيباً شاذاً ، ولكن الإطار ومجمل تسلسل التصور يكونان في الوقت نفسه على درجة عالية من المعقولية ، ويشتملان على تفاصيل مرهفة جداً ، تفاصيل غير متوقعة. تبلغ من حسن المساهمة في كمال المجموع أن الحالم لا يستطيع أن يبتكرها في حالة اليقظة ولو كان فناناً كبيراً مثل بوشكين أو تورجنيف. وهذه الأحلام ، أعني الأحلام المرضية تخلف ذكرى باقية ، وتحدث أثراً قوياً في الجسم المضعضع المهتز المختل.

كان حلماً مرعباً ، ذلك الحلم الذي رآه راسكولينكوف ، لقد حلم بطفولته ، هناك ، في مدينتهم الصغيرة. أن عمره سبع سنين ، وهاهو ذا في يوم عيد ، يتنزه مع أبيه في ظاهر المدينة ، الجو داكن ، والهواء خانق ، والمكان هو المكان الذي انطبعت ذكراه في خياله تماماً, ولكنه يبدو في الحلم أشد وضوحاً وأكثر تميزاً مما هو في الذاكرة. المدينة صغيرة. تمتد مكشوفة كأنها مبسوطة على راحة الكف ، فليست ترى حواليها حتى صفصافة بيضاء ، وفي مكان ما ، مكان بعيد جداً ، عند آخر الأفق ، تلوح بقعة سوداء هي غابة صغيرة. وعلى مسافة بضع خطوات من آخر بساتين الخضار التي تحيط بالمدينة ، توجد حانة كبيرة كانت دائماً تحدث في نفسه أثراً أليماً ، حتى لتخيفه حين يمر بها متنزهاً مع أبيه. كان في هذه الحانة دائماً جمهور كبير ، وضحك مجلجل ، والناس يتشاتمون هنالك ، ويغنون بأصوات سيئة أغاني قبيحة بذيئة ، وهم خاصة يتشاجرون ويقتتلون في كثير من الأحيان ، وحول الحانة يتجول دائماً أفراد مخمورون لهم وجوه مرعبة ، ما إن يصادفهم الطفل في طريقه حتى يلتصق بأبيه ويشد جسمه إليه وقد أخذت أعضاؤه كلها ترتعش .. وفي مكان غير بعيد من الحانة توجد طريق أو قبل يوجد زقاق عرضاني أسود كثير الغبار ، يستمر متعرجاً متلوياً ، وينعطف يمنة بعد ثلاثمائة متر فيحيط بمقبرة المدينة. وفي وسط المقبرة تنتصب كنيسة مبنية بالحجر ، لها قبة خضراء ، كان الطفل يذهب إليها للصلاة مع أبيه وأمه مرة أو مرتين في السنة ، وذلك حين اقامة قداس على روح جدته التي ماتت منذ مدة بعيدة ولم يعرفها في يوم من الأيام. وكانوا في تلك المناسبة يحملون الحلوى التقليدية على أطبق بيضاء فوق منشفة : إنها حلى من الرز والسكر والزبيب المجفف المغروس في الرز على شكل صليب. كان الصبي يحب تلك الكنيسة ، ويحب أيقوناتها التي يخلو أكثرها من الزينة ، ويحب ذلك الكاهن الشيخ الذي يرتعش رأسه ، وإلى جانب قبر جدته الذي تغطيه بلاطة كبيرة ، كان يوجد قبر أخيه الأصغر الذي مات في الشهر السادس من عمره والذي لم يعرفه أيضاً فلا يستطيع أن يتذكره ، غير أن أهله قد ذكروا له أنه كان له أخ صغير ، فكان كلما زار المقبرة يرسم على نفسه إشارة الصليب في كثير من التقوى والخشوع ، وينحني أمام القبر ويقبله ، وإليكم الآن الحلم الذي رآه :

رأى نفسه يسير مع أبيه في الطريق المؤدية إلى المقبرة ويمران أما الحانة . أنه ممسك أباه مع يده ، ينظر إلى الحانة مذعوراً. إن هنالك أمراً خاصاً يجذب انتباهه! لكأن ثمة عيداً شعبياً كبيراً يحتفل به الناس. انهم عدد كبير من صغار البرجوازيين بملابس العيد وفلاحات مع أزواجهن ، وخليط كبير من البشر. هم جميعاً سكارى وهم جميعاً يغنون ، وامام باب الحانة ترابط عربة ، ولكنها عربة عجيبة غريبة ، هي عربة من تلك العربات التي تجرها في العادة خيول قوية, والتي تنقل أنواعاً كثيرة من البضائع وبراميل الخمرة. كان الصبي دائماً ينظر بكثير من اللذة والمسرة إلى تلك الخيول الضخمة ذات الأعراف الطويلة والسيقان القوية ، التي تسير بخطى هائدة موزونة جارة وراءها حملاً كأنه الجبل ضخامة ، دون أن يبدو عليها أنها تشعر بوجود هذا الحمل ، حتى لكأن الحمل يجعل سيرها أسهل وأيسر. أما الآن فإن الشيء الغريب هو أن هذه العربة الكبيرة قد قرنت بها فرس ضعيفة واهنة هزيلة شبيهة بتلك الأفراس التي كثيراً ما رآها تضني بجر حمل من الخشب أو العلف على طريق متحفرة تغوص فيها عجلاتها إلى المحاور, ويضربها الفلاحون بسياطهم على خطمها بل وعلى أعينها ضرباً قوياً .

ولقد كان قلبه ينقبض انقباضاً شديداً حين يرى تلك الأفراس على تلك الحال من الشقاء ، حتى ليكاد يبكي حزناً وألماً. وكانت أمه تضطر عندئذ إلى اقصائه عن النافذة. وها هي جلبة كبيرة تعدو : إن عدداً من الفلاحين الأقوياء السكارى يخرجون من الحانة صارخين, مغنيين, عازفين على البالالايكا ، مرتدين قمصاناً حمراء وزرقاء ، رامين أرديتهم على أكتافهم ، وهذا واحد منهم ، وهو رجل ما يزال في شرخ الشباب سميك الرقبة ، سمين الوجه, أحمر اللون كجزرة ، يصرخ قائلاً لهم :
” اركبوا ، اركبوا جميعاً ! سأنقل الجميع ، هيا اصعدوا ! ”
فسرعان ما تجيبه قهقهات وصيحات تقول :

– أبفرس ضعيفه كهذه الفرس تقودنا جميعاً ؟
– هه ! ماذا دهاك يا ميلكوكا؟
أتقرن دابة صغيرة هذا الصغر بعربة ضخمة هذه الضخامة.
– يميناً إن الدابة تبلغ من العمر عشرين عاماً يا أخي !
– اجلسوا ! سأنقل جميع الناس

كذلك صرخ ميكولكا من جديد, وهو يثب إلى العربة أول الواثبين, فيمسك بزمام الفرس, وينتصب في الأمام بقامته كلها, ثم يردف قائلاً وهو في العربة

– لقد سافر الكميت منذ هنيهة مع ماتفاي. وهذه الفرس يا اخوتي تغيظني كثيراً, وتحطم قلبي تحطيماً. إنني مستعد لأن أقتلها. انها لا تصلح لغير انتزاع لقمة الخبز من فمي. أقول لكم : اركبوا ! اجلسوا ! سأجعلها تعدو ولسوف تعدو !.. وأمسك بسوط وهو يتلذذ سلفاً بالمتعة التي سيذوقها حين يأخذ يضربها.

قال بعضهم ضاحكاً
– طيب, اصعدوا ألم تسمعوا ؟ سوف تعدو الفرس
– انها لم تعرف العدو منذ عشر سنين!
– لسوف تعدو
-لا تأخذنكم شفقة أيها الأخوة, فليتناول كل منكم سوطاً وليتهيأ !
– هيا بنا ! هلموا ! اضربوا !

ركب الجميع عربة ميكولكا مقهقهين مازحين. ركب ستة رجال وما يزال في المكان متسع. اركبوا معهم أمراة سمينة الوجه. انها ترتدي صدرة من قماش هندي أحمر, وتنتعل حذاءين ساقاهما طويلتان, وتضع على رأسها قلنسوة مزدانة بلآلى ، وتقضم حبات بندق وتنفجر ضاحكة من حين إلى حين ، والجمهور من حولها يضحك كذلك ، وكيف لا يضحكون ؟ كيف تستطيع فرس ضعيفة ضامرة هزيلة أن تجر مثل هذا الحمل عدواً؟ وسرعان ما تناول صبيان في العربة سوطاً لمساعدة ميكولكا. ودوت في الجو صيحات تهيب بالفرس أن تسير. أخذت الفرس تبذل كل ما تستطيع من جهد لتسير. ولكن أنى لها أن تعدو ! انها لا تكاد تقوى على التحرك من مكانها. فهي تراوح وتئن وتنوء تحت ضربات سياط ثلاثة تهوى عليها. تضعافت الضحكات في العربة وفي الجمهور. ولكن ميكولكا غضب. وها هو ذا من شدة حنقه وغيظه يضرب الفرس بمزيد من القوة كأنما هو يعتقد حقاً بأن في وسع دابته أن تجري عدواً!

صاح شاب صغير من بين الجمهور وقد فتنه هذا المشهد :
– هل تسمحون لي بأن أجيء معكم ؟
فصرخ ميكولكا يجيبه بقوله :
اركب . اركبوا جميعاً ! سوف أعرف كيف أجعل الفرس تعدو !
وأخذ يضرب ويضرب وقد استبد به حنق بلغ من الشدة أنه لم يلبث أن أصبح لا يعرف بماذا يضرب.

صاح الطفل يسأل أباه
– أبتِ ! أبتِ ! ماذا يفعلون ؟ أبتِ !
لماذا يضربون الفرس المسكينة ؟
قال الأب :
– تعال ، تعال, انهم سكارى يرتبكون حماقات.
تعال ، لا تنظر إليهم !

وأراد الأب أن يقتاد الابن ، ولكن الطفل أفلت من يديه, ثم لم يطق صبراً فركض نحو الفرس الشقية. كانت الفرس المسكينة قد ساءت حالها وخارت قواها. انها تلهث وتتوقف لحظة ثم تستأنف بذل ما تستطيع من جهد لتجر العربة. فتترنح وتكاد تسقط.

وصرخ ميكولكا يقول
– اجلدوها إلى أن تموت ! انتظر قليلاً .. سوف ترى !
هتف شيخ من بين الجمهور يسأله :
– ماهذا ؟ أأنت مسيحي ؟ يا لك من متوحش !
وأضاف آخر يقول :
– هل رأى أحد في حياته دابة هزيلة كهذه الدابة تجر حملاً ثقيلاً كهذا الحمل
وصاح ثالث يقول :
– سوف تقتلون الدابة أخيراً !
قال ميكولكا :
ما تدخلك أنت ؟ الدابة دابتي ! ما أريده أفعله ! اركبوا جميعاً ! أريد حتماً أن تجري الفرس عدواً.

وفجأة, انفجر ضحك عريض غطى على كل شيء. لم تستطع الفرس أن تحتمل الضربات المتكررة ، فإذا هي تأخذ ترفس وتلبط. حتى الشيخ نفسه لم يستطع أن يمتنع عن التبسم. حقاً ان هنالك ما يبعث على الضحك : كيف ترفس وتلبط فرس ضعيفه مسكينة لا تكاد تقوى على الوقوف. خرج من بين الجمهور شابان فتناولا سوطين ، وركضا نحو الفرس ليجلداها من الجهتين

قال ميكولكا :
– على الخطم ، على العينين ، على العينين !
وهتف أحد ركاب العربة
– أغنية ! أيها الاخوة !

فأخذ الجميع في العربة يغنون بصوت واحد. هي أغنية مسعورة تصدح بها الحناجر وتصاحبها قرعات طبل ، ويتخللها صفير عند تكرر اللازمة. والمرأة السمينة تقضم البندق وتنفجر ضاحكة.

ركض الطفل نحو الحصان ، وأسرع إلى الأمام. رأى كيف كانت الدابة تُجلد على عينها ، على عينها تماماً! .. فأخذ يبكي . انقبض قلبه وسالت دموعه . لامس واحد من الضاربين وجهه بسوط. ولكنه لم يشعر بشيء. لوى يديه ألماً. صرخ ! اندفع نحو الشيخ ذي اللحية الشيباء الذي كان يهز رأسه مستنكراً هذا كله. لكنه تملص منه, وركض نحو الفرس من جديد, لقد انهارت قوى الفرس, ومع ذلك حاولت أن ترفس وأن تلبط مرة أخرى.

صاح ميكولكا يقول وقد استولى عليه حنق شديد :
– شيطان يأخذك !
ورمى سوطه, وانحنى إلى تحت, فتناول من قاع العربة خشبة طويلة ثقيلة ، فقبض على طرفها بيديه ، وأشهرها فوق رأس الفرس بجهد .
– سوف يقتل الفرس
– سوف يهشمها

صرخ ميكولكا
– هي ملكي. ولا شأن لأحد بها !
وهوى بالخشبة على الفرس بكل ما أوتي من قوة ، فدوى في الجو صوت أصم !
صرخ بعضهم
– اجلدوا الفرس ! أجلدوها ! ما لكم توقفتم عن جلدها ؟
فاشتعلت حماسة ميكولكا مزيداً من الاشتعال. وهوى على ظهر الفرس الضعيفة بضربة قوية جديدة. فهوت الفرس عند مؤخرتها ، ولكنها ما لبثت ان انتصبت ، وحاولت أن تجر بكل ما تملك من قوة. أخذت تجر في كل اتجاه من الاتجاهات عسى أن تتحرك العربة. غير أن ستة سياط هاجمتها من جميع الجهات ، وارتفعت الخشبة من جديد فهوت عليها بضربة ثالثة ثم بضربة رابعة ، وتتالت الضربات قوية مطردة ، لقد اشتد حنق ميكولكا لأنه لم يقتل الفرس بضربة واحدة.

وصرخ ثالث
– فلتضرب بساطور ! فلننته منها دفعة واحدة !

قال ميكولكا مرغياً مزبداً والغيض يخنقه خنقاً :
– نعم, فلتذهب إلى الشيطان ! أبتعدوا !

ورمى الخشبة, ثم انحنى مرة أخرى إلى تحت ، فناول من قاع العربة قضيباً من الحديد ، وصرخ يقول مخاطباً الفرس :

– تستحقين !!!
ثم هوى بقضيب الحديد على الفرس المسكينة ، وبكل ما أوتي من قوة ، فترنحت الدابة من شدة الضربة ، وتهالكت ، وحاولت أن تجر العربة مرة أخرى ، لكن قضيب الحديد هوى على ظهرها من جديد ، فسقطت على الأرض كأن قوائهما قد قطعت قطعاً !

صاح ميكوكلكا يقول

– أجهزت عليها !

ونفذ صبره ، فوثب من العربه إلى الأرض. وهاهم فتيان سكارى حمر يمسكون بكل ما يقع تحت أيديهم من سياط أو عصي أو أخشاب ، ويهرعون نحو الفرس المحتضرة. وقف ميكولكا إلى جانب الدابة ، وأخذ يضربها بقضيب الحديد على ظهرها. فمدت الفرس خطمها ، وزفرت زفرة عميقة .. وماتت !

صاح الجمهور يقول

– ماتت
– لماذا لم تشأ أن تعدو
قال ميكولكا صارخاً محتقن العينين بالدم, ممسكا بقضيب الحديد بيديه :
– هي ملكي !
وكان واقفاً منتصب القامة كأنه يأسف على أنه أصبح لا يعرف من ذا يضرب !

هتفت عدة أصوات في الجمهور تقول :
– طيب ! أصبحنا الآن على يقين من أنك لست مسيحياً

ولكن الطفل أصبح لا يسيطر على نفسه, وها هو ذا يشق لنفسه طريقاً بين الجمهور وهو يصرخ صراخاً شديداً ، حتى إذا وصل إلى الدابة أحاط بذراعيه خطمها الميت الدامي ، وأخذ يقبلها على عينيها وعلى شفتيها .. ثم اجتاحه حنق قوي ، فهجم على ميكولكا قابضاً أصابعه الصغيرة ، ولكن أباه الذي كان يلاحقه منذ مدة ، أدركه في تلك اللحظة ، فأمسك به ، وجره إلى خارج الجمهور قائلاً له

– تعال .. تعال .. فلنعد إلى البيت
دمدم الطفل يقول بين شهقتين سائلاً أباه :
– أبتِ .. لماذا .. الحصان المسكين .. فعلوا به ؟
ولكن أنفاسه تقطعت ، وكانت الكمات تتدفق من صدره المختنق مع صرخات
قال الأب
– هم سكارى يرتبكون حماقات. ليس هذا شأننا . تعال.

أحاط الطفل أباه بذراعيه ، ولكن كان صدره ما يزال مختنقاً .. ما يزال مختنقاً اختناقاً شديداً .. وحاول الطفل أن يسترد أنفاسه .. وأطلق صرخة قوية .. واستيقظ راسكولينكوف من النوم .. استيقظ من النوم مبتلاً بالعرق مخضل الشعر لا هثاً. ونهض مذعوراً .. قال وهو يجلس تحت الشجرة ويتنفس ملء رئتيه : ” الحمد لله على أن هذا لم يكن إلا حلماً ! ولكن ماذا حدث ؟ أيكون هذا بداية حمى ؟ يا للحلم العجيب ” !

 

كولمار الفرنسية و بازل السويسرية

كولمار الفرنسية و بازل السويسرية

بعد استيقاظي بعد عناء يوم كامل قضيته في  ( مدينة ستراسبورغ الفرنسية ) ، كنت على موعد جديد ولكن مختلف ، يوم واحد سأزور فيه مدينتين كمحطات توقف ، الا وهي كولمار الفرنسية و بعدها مدينة بازل السويسرية ، والهدف أن أصل ليلاً إلى مدينة زيورخ السويسرية ، المشوار بأكمله سيستغرق ثلاث ساعات ، ساعة أستغرقها حتى أصل إلى مدينة كولمار ، بعدها مرة أخرى ، ساعة طريق ، حتى أصل إلى مدينة بازل السويسرية ، نفس الأمر مرة أخرى أفعلها بعد أن فعلتها بهذه التدوينة ( مدينة نانسي الفرنسية ) ، أعجبتني هذه الطريقة في السفر ولم أشعر أنها متعبة بالنسبة لي ، والمتعة لي بإنها أضافت لي أماكن أكثر لزيارتها ..

france8975647.PNG

1-DSC01140

أنطلقت مع الصباح الباكر من مدينة ستراسبورغ حتى وصلت مبكراً إلى مدينة كولمار ، وعند دخولي للمدينة كان في أستقبالنا تمثال الحرية والمشابه لما هو موجود في مدينة نيويورك ، تفتخر المدينة بإنها مسقط رأس النحات الفرنسي الشهير فريديريك أوغست والذي نحت تمثال الحرية ، والذي كان هدية من فرنسا إلى أمريكا بعد أنتصار الأمريكان على الإنجليز وأشرف عليه فريدريك  ..

1-DSC01145

كان اليوم الإثنين ولم تزل المحلات مغلقة ، يبدو أنها تتأخر في أفتتاحها يوم الأثنين ، هذه أول مدينة أجدها هذا الوقت مغلقة ، أغلب المحلات لا تفتح إلا بعد الساعة الثانية ظهراً .. وجدت مطعماً تركياً جلست على أحدى طاولاته الخارجية لتناول الطعام والاستمتاع بأجواء المدينة الصغيرة ..

1-DSC01149

لا أنصح زيارتها ، لا يوجد بها شيء ، ولكن كما قلت سابقاً كنت أرغب بزيارة كل المدن التي أستطيع زيارتها في أوروبا .. لهذا توقفت بها ..

بعدها قررت إكمال السير إلى وجهتي الأخرى مدينة بازل السويسرية

1-DSC01161

وصلت مدينة بازل السويسرية دون الحاجة للتوقف أو السؤال عن جواز السفر ، كان الدخول سهلاً رغم وجود نقطة تفتيش عند الدخول وكان التوقيف أختيارياً حسب الاشتباه ..

1-DSC01167(1)

إلتقاطة لنهر الراين والذي يمر إيضاً على مدينة بازل السويسرية ، وهو ثاني أكبر نهر في أوروبا بعد نهر الدانوب.

1-DSC01180

وسط المدينة تكاد قطارات ” الترام ” لا تتوقف به ، تجدها تمشي في كل اتجاه ، لذلك عليك الانتباه وأنت تمشي في شوارعها ، فالصورة السابقة للشارع greifengasse.

1-DSC01178

من الأشياء التي لاحظتها بمدينة ببازل و في عموم سويسرا أن الأسعار للتسوق أجدها أرخص من نظيراتها في الدول الأوروبية بالرغم من غلاء السكن و الطعام فيها ، المطاعم فيها من أغلى الدول التي زرتها في حياتي ، فالمتوسط لتكلفة الطعام للشخص الواحد هي من 150 ريال سعودي إلى 250 ريال سعودي ، لكن للملابس والعطور وجدتها أرخص من غيرها ..

1-DSC01190

بقيت في المدينة حتى المساء ، وتحديداً حتى إغلاق المحلات ، كان التسوق فيها والتجول في شوارعها القديمة ممتعاً ، جميلة من يود الشعور بالرومانسية مع التسوق مع المشي على ضفاف نهر الراين ، فالمدينة تشعرك بالسهاد وأنت تسير فيها ، فأنت لا تعرف متى أسراب القطارات تتوقف ، وأين الطرق المائلة ستأخذك ، لكنك رغماً لهذا تسير ، تريد أن تعرف إجابة للسؤال.

1-DSC01197

1-DSC01227

توقفت طويلاً في هذا المكان ، عند الصورة السابقة ، المنظر فيها كان خلاباَ وشاعرياً ، يجعل أحاسيسك تنطلق بالكلمات عند الجلوس على أحد الكراسي والنظر ..

1-DSC01231

في نهاية اليوم قررت التحرك إلى زيورخ و النوم فيها ، فغداً سأبدأ التجول في مدينة زيورخ والتحدث عنها.

مدينة ستراسبورغ الفرنسية

مدينة ستراسبورغ الفرنسية

 

استيقظت في صباح اليوم التالي و تخطيطي مسبقاً بالذهاب إلى مدينة ستراسبورغ الألمانية ، عفواً الفرنسية ، دائماً ما أخطأ بالأسم بسبب وجود كلمة بورغ وهي تعني جبل باللغة الألمانية ، فقد أرتبطت بذهني مثل مدن ألمانية مثل هامبورغ أو نمساوية مثل سالزبورغ ، لذلك ارتبط اسم ستراسبورغ في ذهني بألمانيا ، ولم يكن ظني بعيداً عن الواقع ، فعندما تجولت في المدينة كانت أشبه بالنمط الألماني من حيث الهندسة المعمارية أو حتى بأشكال ساكني المدينة المشابهين بوجوههم للألمان ، لا عجب فالمدينة تقع بالقرب من الحدود الألمانية وقد تم احتلالها عدة مرات من ضمن الألمان وبقيت لفترة طويلة تحت حكمها أيام الأمبراطورية الألمانية ولا أنسى من سكن فيها من الألمان أمثال يوهان غوته و ويوهان غوتنبرغ ، فالمدينة عريقة بالعلم والثقافة ، لهذا من الطبيعي استحقاقها لإن تكون المقر الرئيسي لمجلس الاتحاد الأوروبي.

1-DSC00883.JPG

كان صباح يوم أحد ، ويبدو وسط مدينة ستراسبورغ خالياً من المرتادين والمحلات مقفلة بسبب يوم الأجازة الأسبوعي ، فالمدن الأوروبية ( غالباً ) ما تلتزم بإقفال محلاتها يوم الأحد وتعتبره عطلة رسمية من كل شيء.

1-DSC00900.JPG

كاتدرائية ستراسبورغ تبدو واقفة في منتصف مدينة ستراسبورغ ، أول ما رأيتها وقفت مشدوهاً أتأمل روعة البناء ، تحفة هندسية أبدع المهندسون في أخراجها بشكل تجذب العين ، في يوم ما كانت أعلى مباني العالم ،هذا كان قبل أكثر من أربع مئة عام.

1-DSC00901.JPG

كل من يمر بالقرب من هنا ، يجبر أن يتوقف ليأخذ صورة لهذا للكاتدرائية.

1-DSC00914.JPG

صورة أخرى لمبنى الكاتدرائية ، يبدو أنني فتنت بهذا المبنى .

1-DSC01025.JPG
من داخل الكاتدرائية يوم الأحد

1-DSC00959.JPG

أثناء جولتي وسط ستراسبورغ قررت الذهاب لمتحف Palais Rohan و رؤية بعض المعروضات الفنية والتاريخيه عن مدينة سترازبورغ و العائلة المالكة.

1-DSC01005.JPG

بعد نهاية جولتي من المتحف قمت بقطع تذاكر لركوب القارب السياحي ليأخذني جولة حول المدينة القديمة لستراسبورغ.

1-DSC01038.JPG
القارب زجاجي من الخارج

تجربة القارب جميلة ، المميز فيها فكرة السقف البانورامي.

1-DSC01099.JPG

طريقة تصميم البلدة القديمة في ستراسبورغ تجعل فكرة قضاء المساء فيها محبذه ، فقد أخذني الوقت فيها دون أن أشعر بذلك ، مثل ما ترى بالصور القادمة.

 

1-DSC01114.JPG

 

1-DSC01101.JPG

1-DSC01124.JPG

قبل أن أهمّ بالعودة إلى الفندق أنتبهت إلى هذا الزحام في وسط المدينة ، فأكتشفت عبر المصادفة أن هناك عرض ضوء كما هو موجود في المدينة المجاورة لها نانسي ، يبدو أنها من باب المنافسة بين المدن !

 

1-DSC01138.JPG

 

عرضت الأضواء على ذات المبنى المبهر الذي تحدثت عنه سابقاً ” الكاتدرائية”

 

 

 

وهنا إيضاً تصوير فيديو قمت به ، وفي رأيي أن عرض الأضواء في مدينة نانسي أفضل منها بكثير ، الجودة والمكان والمبنى وتوزيع الضوء  .. عموماً العروض الضوئية جميلة وممتعة في كل الأحوال.

بعدها بالتأكيد شعرت بالتعب ، فقد شارف اليوم على نهايته ، كان يوم حافل ، عدت للفندق لأستعد ليوم غد والاتجاه إلى مدينة زيورخ السويسرية.

 

 

 

 

2017 ، عام القوقعة

2017 ، عام القوقعة

قوقعة لا أدري لماذا تتردد هذه الكلمة على لساني طوال هذا العام ! ، أشعر برغبة بوضعها في أي جملة تسري على لساني ، حتى لو كانت ” شمس اليوم ساخنه كـ .. قوقعه “.


gew4w3tw32gtweshy4yjue45u4eqaw2313vcm.png

يصادف هذا مع إرتعاشة البرد في عظامي ، و بشكل متكرر في نفس هذا الوقت ،  ميعاد رحيل عام آخر ، ها هو عام ألفين وسبعة عشر وكأنه يشير بيديه بالوداع ، فهو لا يمكن عودته أو حتى أستعادته ، لا ينفع النداء ولا النحيب أتجاه ما فقدناه من أوراقه ، كل أمنياتنا الحالية ببقاء ما نملكه من أشجار ، و أن تحفظ أشجارنا الباقية لنا لنستظل و نركن تحتها ، يارب لتحفظ أناسنا في عامنا المقبل ..

ربما كانت إحدى أقوى صدمات حياتي فقدان عمي عبدالله ، لهذا مهما أطريّت على هذا العام من ثناء بسبب ما أنجزته ونلته ، في الجهة الأخرى أجد فقدي لقامة و هامة غالية علي مثل عمي تخيّم على جبال مشاعري السافرة لهذا العام ..

وبسبب هذا الفقد الكبير ، فقد تعلمت حكمة لا يمكن محوها من جدار ذاكرتي  :  ” فمهما أستبدلت الأشياء التي تحبها ، فهي لن تعوض “.

فالأشياء المميزة في حياتك عندما تفقد لن تعوضها مهما حاولت من أشياء أخرى ، لهذا أقبض بيديك في عامك بكل الأشياء الجميلة ولا تدعها تفلت من يدك ، وإن فلتت ، لتـ .. كن بالشكل الصحيح .. !


عندما أطالع تلك الكلمات التي تسطر الوعود في كل عام ، سأقوم وأقوم ، وبعد عدة أشهر لا أجد أي شيء مما يقول يحدث ، أو حتى يبدأ حدوثه ، دفعني لأتردد كثيراً في كتابة هذه التدوينة الأستهلالية لعام ٢٠١٨م ، أستوقفني لأفكر في أسباب هذا الفشل حتى وقفت على ما قاله صموئيل بيكيت : ’’ أخفق ، حاول من جديد ، ثم أخفق بنحو أفضل ’’

الخوف من الإخفاق هو السبب الذي أجده منطقياً لكل الأناس الذين يطلقون الوعود في كل عام ولا يوفون منها بشيء ، هي محاولة لأقناع الذات ، بالكلام ليس أكثر من هذا الحد ، سوف أفعل و أفعل ، لكن يمر العام وهو كما كان من قبل ، يقبع في بحيرة الجمود ولا يتحرك ، و لا يفعل أي مما يقوله ويعد به نفسه ، يعتقد سكونه في بحيرة الجمود سيبقيه دافئاً ، وهذا بالتأكيد خطأ فيزيائي وينطبق على الأهداف الأنسانية ، لا يمكن أن تدفء أطرافك إن لم تحركها وتفركها ببعضها البعض ، لو جربت رياضة التزلج على الجليد لشعرت بالتعرق ، الا ترى راقصو الباليه على الجليد ملابسهم تكاد تكون شفافه وتسقط من رقتها ، تشعر في أي لحظة سوف تتمزق ، ومع هذا هم لا يتوقفون للحظة عن الحركة والدوران فوق الجليد فقد ذكرت في مقال سابق ، أنه لمساعدة أنفسنا تجاه الوعود التي نطلقها على أنفسنا أن نتحلى بالأحلام ، وما عرفته في آخر عدة سنوات هو بإن الخيال كونه محرك للإبداع والصبر زاد للطريق.


أهدافي والتي كتبتها مسبقاً هنا قبل عام ( 2016 ، تأجج ! ) لا تقتصر على المهنة أو المهارات الجديدة ولكن أيضاً على التغذية ، حيث بدأت بتجربة جديدة في بداية العام ٢٠١٧ م وهي القيام بمقاطعة لحم الدجاج في طعامي ، هذه المحاولة أستمرت ثلاثة أشهر ولله الحمد ولم أصدق أن أبقى كل هذه الفترة عندما بدأت بالهدف ، وبعدها قررت البدء بالأبتعاد عن السكر قدر المستطاع ، و تمكنت من الحفاظ على ذلك حتى الآن وأمنيتي بالإستمرار في الاعوام المقبلة فيبقى هدف ثابت في أعوامي المقبلة ، وأما المدونة فقد كتبت أكثر من ٧٤ تدوينة خلال هذا العام ، وأما على الصعيد الشخصي فالكل يسألني مالذي ستفعله بعد الكتاب ؟ كنت أجهل الإجابة إلى قبل أسبوع من الآن ، فقد شعرت برغبة أكثر بالقراءة للروايات ، سأخصص وقتي لمبعث الأحلام بتلك القصص المكتوبة ، سأدع نفسي تسبح بين صفحات الكتب ، وأرى إلى ماذا تقودني ، بالطبع سأتحدث عن قراءاتي بشكل مكثف عن السابق بالتدوينات ، سأجرب ما عارضته سابقاً مع المدونين الآخرين والذي تجادلنا كثيراً حول فكرة أستعراض الكتب المقروءة ، يبدو أنني سأكسر هذه القاعدة بعرض ما أقرأه ، فأكتب عنه ، حيث سأكسر تابوه قراءاتي المحرمة من خلال كشفها للجميع في هذا العام.

ومن أشيائي الجميلة هي صدور كتابي الأول عقل و قلب ، وحضوره قبل نهاية العام إلى معرض جدة الدولي للكتاب ونفاد جميع النسخ الموجوده في المعرض ..


PSX_20171231_210025.jpg

قبل الختام لعام ٢٠١٧ ميلادية ، أود الحديث عن زيارتي اللطيفة لمعرض الكتاب في جدة ، فقد تفاجأت من كمية الجمال الحاضرة في المعرض ، أكثر ما أبهرني هو براعة التنظيم والتي تشعر به منذ لحظاتك الأولى عند إيقاف السيارة وحتى وصولك إلى قلب المعرض ، المتطوعين كانوا أجمل من حضر ، تفانيهم ومساعدتهم للجميع في الإرشاد والتوجيه كانت مميزة ومفيدة لكل الزوار ، بالإضافة إلى الأناس الطيبين الذين قابلتهم في المعرض ، من بعض الكتاب والمهتمين في عالم الكتب ، لأكن صادق معكم ، فهي أول زيارة لي لمعرض الكتاب في جدة ، وذهلت من كمية الإحترافية المتواجدة ، وكأن المعرض في دورته الثلاثين وليس الثالثه ! سعيد من أجلكِ يا جدة.

أنتهزت الفرصة بشراء هذه المختارات من الكتب بعناية فائقة حتى أقرأها كلها في عام ٢٠١٨ بإذن الله.

1-20171224_165652_edited

 

ثمان مئة كلمة في تدوينة أستهلالية لعام ألفين وثمانية عشر ، أعتقد الوقوف أصبح لزاماً!

أحبكم جميعاً يا قُراء مدونتي المتهالكة.⁦❤️⁩