بصمة الساكّ

qkljopj243pojmk34.jpg

بين صفحات الكتب أجدني أتأمل في الأحرف وأعرج بفكري إلى سماء لا حدود لها ، فأجد أن كل صاحب سطر يملك بصمة مميزة و طريقة خاصة به في رصف الأحرف وحركة تشذيب الكلمات ، كفنان نحّات يقوم بعملية النحت في الصخور ويشكل فيها كما يريد ، يتعنّى ويتعب ويجتهد حتى تخرج أحرفه مشكلة وذات معنى ودلاله بشكل مفهوم ، البعض يكتب بطريقة سرياليه ، تصعب على القارئ البسيط بمصطلحاته وترميزه المبطن والمكفن ، يتخذ للبوهيميه منهجاً ، تراه يحب التيه ويقصده ، بينما البعض تجده يرسم أحرفه بخط الماء ، واضح وسلس ويفهمه الجميع ، لا إعتراض في مذاهب الكتابة ، فكل له شأن يغنيه ، فقد كنت مأسوراً بالكاتب الليبي إبراهيم الكوني و نمطه الكتابي الذي يسلب قلبي وروحي حتى يرحل بي إلى وسط صحراء ليبيا ، الحديث لي طبعاً ، حيث أجد لذة عجيبة بقراءة أحرفه ، فجسدي يعيش حالة غريبة عند الكتب العظيمة التي يميل قلبي إلى أسلوبها الكتابيّ حيث تزداد فيها نبضات قلبي و حدقة (بؤبؤ) عيني تصل إلى أقصى أتساعها بسبب الدهشة ! ، من يكون بجانبي يشعر بأختلاف مثير بطريقة تنفسي ، حيث يشعر وكـأنني في مضمار جري وتكاد أنفسي تتقطع ، فكل ما في جسدي يبقى في أقصى حالاته العصبية مشدوداً ، كل ما أحتاجه وأنا أقرأ الكتب الجميلة هو أن أتوقف لمرات ومرات عديدة وأن أستلقي على ظهري و أشيح بعيني إلى السقف أو السماء ، أين ما أكون ، كل ما أريده متسع من النظر ، حتى أسرح بخيالاتي و أتامل لحظات الجمال بالنص الذي أقرأه ، تبدو وكأنها لحظات النشوة لدي عند قراءة نص عظيم ، حيث يستفزني ويبدأ بتحركات عسكرية ليدكّ مكامن الجمال بداخلي ، فأجدني أهتز بمكاني ، وأغير من وضعيات جلوسي بشكل متكرر ، محاولاً أن أخفف من وطأة الأحرف على صدري ، جمالية الفكرة بالإضافة إلى جمالية النص ، وجمالية التعامل مع المشاعر الإنسانية للقارئ مما يجعله يتشكل بتناغم التفاعل بين أسطر الكتاب ، فيسلك مسالك المتصوّف الراقص ، فينشغل عن ماحوله ليدور ويدور بين النقاط و إنحناءات الأحرف ..

وبسبب حبي للقراءة أجد نفسي كثيراً ميّالاً للقراءة عبر ( https://wordpress.com/reader ) ، فأتجول بالقراءة عبر مدوّنات تعج بالجمال ، فمهما أختلف أسلوبك بالكتابة ، فهذا بحد ذاته تميزّ الساكّ ، لكل منا بصمة مميزة بالكتابة ، و كل قارئ يجد لذته الخاصة عبرها .. فلا تبخلوا علينا بجمال ما تجود به أنفسكم بالتدوينات ..

 

لا تستخف بشغفك أبداً

 

لا أنسى الخبر الذي شدني بينما كنت أتصفح بعض الصحف الأخبارية الأجنبية في عام ٢٠١٤ ، ما أثارني به هو تأكيده على ما كنت أقوله لسنوات طويلة لكل من أعرفه ، أفعل ما تحبه حتى لو كان ما يظنه الأخرين أنه لا شيء ! ، فالخبر يقول حساب يوتيوب يحقق خمسة ملايين دولار بمجرد فتحه لألعاب ماتسمى لدينا ( كيندر سبرايز ، لعبة البيضة ) ويقوم بتصوير ذلك وإنزاله إلى صفحة الفيديو الخاصة به ، أدهشني الفعل الصغير جداً ، ومدى النجاح الهائل الذي يحققه بعائدات تقدر بخمسة ملايين دولار سنوياً من شركة يوتيوب نظير عدد المشاهدين للصفحة !

 

 

عندما دخلت للقناة كانت مدهشه ببساطتها ، مقاطع بتصوير و إضاءه غير إحترافية ، لا يوجد بالنسبة لي أي شيء مثير للأهتمام سوى عدد المشاهدين للقناة الذي لم يصدقه رأسي ! ..

النجاح لم يعد يعرف أعمال عظيمة فقط ، بل حتى أشياء بسيطة قد تنجح ، لم أستخف بأي فكرة سمعتها بعدها ! ، فمفاهيم النجاح تغيرت في السنوات الأخيرة ، فمشاهدات مسلسل ( شباب البومب ) عبر اليوتيوب حيّرت مهتمين مواقع الوسائل الإجتماعية ، فعندما تحاكي الشغف في رأيي سوف تحقق النجاح ، قد نرى بأعيننا أشياء لا تعجبنا ولا تستهوينا ولكنها تنجح في مخاطبة مشاعر أخرين ، فالشيلات مثلاً لا أفهمها أبداً ولا أجد لها لدي ذائقة حتى لو كانت صغيرة لأتمكن من تقبلها حتى لمجرد الأستماع لها ، لكنها نجحت ! ، والسبب يعود لدافع الشغف للأخرين ، بوجوده أصبح هناك ضوء يدل إلى طريق النجاح ، رجل الأعمال الأمريكي وارن بافيت في مذكراته الشخصية وحديثه عن سبب نجاحه حتى وصلت شركته إلى أقوى خمس شركات في العالم ، حيث يقول بإن الناس مستعدون ليدفعون الأموال لمن يجعلهم سعيدين ، ربما كانت هذه القاعدة التي تفكر و تنطلق بها في مشروعك القادم ، على سبيل المثال أعرف شخص ما بدأ قبل أكثر من أربعة عشر سنة بشغفه بالكميرات وكان من يحيطه وقتها من الأصدقاء يلومونه على تلك الأموال التي يخسرها على معدات التصوير التي كانوا يرون أن صرفها في معدات التصوير ليست سوى هدر للمال وليس له فائدة ، كنت الوحيد من يقول له أستمر ولا تهتم لما يقولونه ، وستتذكر حديثي بعد سنوات وليس الآن ، وبعد أن مرت سنوات توجد له معارض خاصة يعرض بها أعماله وأصبح التصوير يدر عليه الكثير من المال ، بل أصبح من سماسرة و دلالين معدات التصوير ويأخذ عمولاته عليها ، ونفس القصة رأيتها لأحدهم مع هواية صيد السمك وأصبح من خبراء الصيد على مستوى المملكة ، وهذه القصص بالتأكيد تجد حولك لها أمثلة كثيرة ، وتمتلئ صفحات تويتر و الإنستغرام بأمثلة لناجحين عبر أشياء بسيطة بمجرد أنهم آمنوا بها كرسالة شخصية لهم .

 

16603476775_6679dd06e0_z

 

وهذه القصص التي تتكرر من حولنا حول أشياء بسيطة كما تبدو لنا ولكنها لغيرنا تبدو كبيرة ، لهذا لا تستهين بأي هواية تملكها ، حاول أن تبدأ ، وأن تستمر ، مهما كان ما يعتقده الأخرون ، فقط أنطلق و أؤمن بما تحبه.

 

شمس تشرق ، و قمر يغيب

شمس تشرق ، و قمر يغيب ، في سلسلة يومية تبدو مملة ، بذاتها هي ، لا تتغير ، في نفس الوقت و المكان ، أبقى رأسي مرفوعاً متأملاً إلى السماء ، ناظراً بأعيني الكسيحة لها و متسائلاً ، متى أقفز إلى الفضاء لكي أنظر للأمور لأرى شكلها المختلف عني ؟ مللت من التطلّع لنفس القمر و الشمس ، مللت وأنا أراهما يتلاحقان كل يوم ..

ouiho89vgb

لست بتفكيري الثلاثيني بعيداً في مدارات فكري عن الواقعية ، ولكني رغم ذلك أحلم دائماً ، لذلك أجد نفسي أعيش في عالم متناقض ، عالم مزيج بين الواقع والحلم ، حتى تكوّن بداخلي عالم مهتز ! ، فأنا أعيش على التردد كشعار دائم لا تسقط ساريته على ظهر سفينتي ، أحرص أن تبدو فيه السارية ماثلة و بائنة دائماً أمام كل السفن المُبحرة في محيطي المتلاطم بأمواجه دائماً ، فلست ذا قوة لكي أجعل المحيط حولي هادئاً جبراً و قسراً ، فأنا إنسان ضعيف ، ما تلبث من قواه أن تخور يوماً ، وتعود يوماً قويه .. أنا لست بآلة ، لست بروبوت ، قد أعيش بالنقم ، وقد أعيش بالقهر ، فأنا قطعة من لحم مخضبة بالدماء.

أنا في هذه السفينة التي لا تلبث أشرعتها من التمايل حسب أتجاه الهواء ، ولا أكاد أستعد للأشرعة بالإمساك بها بقوة ، حتى اتفاجئ بأمواج تخرج من تحت قدمي ، تهزّني ، وتهز معتقداتي ، وتهز ثوابتي ..

فأنا لا أجد في هذا البحر ما يدعو للثبات في الحقيقة إلا القمر والشمس كمبادئ ثابته ، أستدل بها الطريق وأستهل بها زماني !

ففي الحقيقة أنا لست متزن ، ولا أعلم إن كنت أرغب برؤية الشمس ، ولا أعلم إن كنت أرغب برؤية القمر ، ولكني أحتاجهما الآن ، طالما أني على الأرض و آمالي محلقة بالسماء ..

هكذا أنا الثلاثيني حتى في كتابتي هذه المتقطعة بالأسطر ، بهذه الإشلاء المفروشة التي تسير عليها يا صديقي والتي بالمصادفة لا ترشدك إلى أي شيء ، سوى الأهتزاز معي !

💗 أحبكم جميعاً و كفى.

أول يوم بعد الإجازة

بدأت اليوم بالإنتباه على طريقة أدائي للسلام على الجميع بعد غياب عن العمل كان بسبب الإجازة ، ومن خلال طريقتي للسلام والذي لا شعورياً فطنت الإحساس به عند دلوفي للباب حيث و بشكل تلقائي بدأت أحرص على التفاصيل من خلال أختيار الكلمات المناسبه لكل شخص ، لم تكن الفكرة في رأسي قبلها بساعات فهي قد حضرت بنفسها ولا أعلم لماذا ! ، ولكنني كنت أحتضن البعض ، وبعضهم قبلات عارضيه بالطريقه الخليجية ، والبعض أكتفي بالمصافحة عليه باليد ، كل منهم يختلف حسب عاداته وتقاليده التي أحاول الإلتزام بها ، ومماشدني بالمشاعر ذلك الإحساس عند اللقاء مع زميل وصديق ، حيث صمته ونظراته وتوقفه بالكلمات كانت كفيلة بإن توحي بإنه يحتاج الحديث معي منذ أول لحظات قدومي ، فهذا هو زميلي في نفس المكان ونتشارك المهمات بيننا وأحيان كثيره نتشارك السياره في الذهاب والعودة الى العمل ، وكأنه كان ينتظرني ، كنت أستشعر ذلك من وقفته بجانبي وتعابير وجهه ، فبدأت أسأله عن احواله في غيابي وكيف كانت إجازته الكريسمس ، ولأكون صادقاً كنت أعلم أن والده قد توفي في إثناء إجازته ولكن كنت أخبأ علمي بالخبر السيء عنه ، فأنا في الحزن سيء في إلقاء التعازي ، بالذات عند تعاملي مع الزملاء الإنجليز ، هم حساسون جداً مع المفردات وطريقة الحديث ، لذلك آثرت أن أكون متفاجأ و أن لا أخاطر بالإتصال عليه هاتفياً ، فعند جلوسنا بدأ فوراً بالحديث عند وفاة والده ومالذي حدث خلالها من مواقف ، وعن أعمامه وعائلته التي حضرت من إيطاليا ، فأضطر لتأخير مراسم العزاء والدفن لأسبوعين ، كنت أواسيه بكلمات قليلة ، وأثناءها  كان هناك عامل من الهند وقد وقف على بعد مني يتأمل ، أنتبهت له من حسن حظي وقمت بالإشارة له من على بعد بالتحيه ومن ثم مشيت له حتى صافحت يده فقد قررت أن أبادر لأنني أحسست بخجله وحياءه ، وفجأة بدأت أستدرك هل كنت أحيي كل منهم بسبب منصبه في العمل أم بكونه إنسان ؟ هنا فقط حمدت الله بإن تبادرت الفكرة لي عند دخولي للعمل ، قررت بعدها أن أخصص وقت لأتحدث مع العمال والأخرين وأتوقف عند مكاتبهم لدقائق ، التواصل مع الكل دون أستثناء .. أمضيت أخر ساعات العمل وملامح وجهي كانت قلقة و أنا أستذكر طريقة سلامي لكل واحد منهم ، ورغبتي المملوءة بالحرص والأهتمام بإن تكون تحيتي و سلامي للجميع بلا قيود الا بسبب العادات المختلفة ، السلام على الجميع !

عله أو هلع ، أعكسها كما تشاء !

6544444444422546456999

يقال أن حروف العلة باللغة العربية هي ثلاثة أحرف ، و هي الواو و الألف والياء ، وعندما تجمعها تنطق واي أو كما هو حرف الإنجليزية ( Y ) ، فحروف العلة العربية تربعت في صدر أسمي ، في حرفي الأول أجتمعت ! ، وكأني لا أكتفي بالعلة في حياتي ، حتى تجتمع في أول أحرف أسمي ، واااي !! أو لماذا ؟ لا يهم ، فالعلة بدأت معي والدليل حرف الدي في أخر أسمي ، أختصار ل Drive ، أو أنطلق ! ، ويتوسطني حرف الزد ( Z ) ، كأخر الحروف الأنجليزية في وسط أسمي وكأنه يقول لي أنا لن أنتهي منك !

ولم تتوقف معاناتي مع أسمي عند ذلك ، بل أتذكر أنني سألت مدرس الأنجليزية عندما كنت في الإبتدائية – فقد كانت مدرستي على غير العادة في السعودية ، يوجد بها مناهج هامشية باللغة الإنجليزية – عن طريقة كتابة أسمي يزيد بشكل سليم باللغة الإنجليزية ، وبعد محاولات متكررة منه لكتابة أسمي ، فإذا فجأه يقف و ينظر لي ويقول لي أن أسمك يوجد به حروف علة كثيرة ! ، فكتابة أسمك صعب بسببها ! ، كنت حينها ولأول مرة أتعرف على حروف العلة ، ومنذ ذلك اللحظة بدأت مشاعر الكره تتفاعل بداخلي ، لماذا أسمي يوجد به كل هذا الكم من حروف العلة ؟

أعتقد سخط الطفولة ظهر بي الآن ، لذلك قررت الآن بشكل جمهوري حجب حروف العلة من أسمي كما تظهر الآن ( A و E ) وأما حرف الواي ( Y ) ، فهو محل شك عند علماء اللغة الإنجليزية ، فقد أحتاروا في تصنيفه ، أهو علة أم لاء !

لذلك آثرت الرحمة به ، من باب الشفقة والشك ، رغم أن يدي تود أن تتلف كل علة فيني وترميها في بئر النسيان ..


وفي عتبة هذه التدوينة ، أكتب لكم أنني قد غيرت مظهر المدونة قليلاً كما ترونها الآن ، صورة صحراء بدلاً من الغابة كما كانت بالسابق ، لنكن واقعيين يا أصدقاء ! فنحن نعيش التصحر والصحراء نعيش فيها ! ، وإيضاً فرشت خلفية المدونة بلون الرمال الذهبية ، لأعبش واقع الصحراء والمواجهه بدلاً من عالم الخيالات التي كنت أرسمها ، وفي الحقيقة لا أعلم سر طيور الحمام بالذات معي والطيور معي بشكل عموم ، في هاتفي خلفية صورة حمامة ، وفي المدونة أيضاً ، وفي كتاباتي أجد الطيور ترفرف دائماً ، رغم أنني أكره الطائرات والطيران ، لا عتب أرجوكم ! ، فالصداع الآن يقتلني من محاولتي العنيدة لمقاطعة القهوة !

ولتحيا الكتابة !

بعد التأجج ، هناك ماء ونار !

بعد التأجج ، حضرت علامات الخلق الدالة على الحياة والموت ،  فهنا الماء والنار ، فالماء مصدر الحياة و النار هو الموت !

6546549o8h9.jpg

تنطلق علامة الماء كمؤشر للحياة ، كمثال البعث ، وهي النشأة وهي البداية للتاريخ ، ولو نظرنا إلى النار لوجدناها تقف مقابلة من حيث التضاد مع الماء ، تقف بالحقيقة والرمزية إيضاً أمامها ، فقد أرتبطت بالإنسان منذ لحظات نشوءه في رحم أمه ويستمر حتى أول لحظات ولادته ، فالطفل في شهوره الأولى يعرف السباحه بالماء بالفطرة  ، ولو وضعت ناراً أمامه فلن يعيه ، وقد يحرقه كما أحرق لسان موسى عليه السلام ، فهنا الإنسان هو الماء وهو يجيده من أيام سكناه في رحم أمه ، فيخرج وهو يعلم السباحة جيداً ولكنه يبدأ بنسيانها مع الأيام ، هذا الإنسان لديه ذاكره تمحى ! بينما تجده من أول لحظاته لا يعلم المخاطر التي حوله وأهمها بلا جدال كان النار ! لذلك نتعلم و نتذكر .. فلا ننسى السباحة ولا نجهل الغرق !

ولعنصري الماء والنار رمزية مشتركة وهي التطهير إذ إن جميع الأديان تشترك من خلاله ، وأولها الإسلام حيث يتناول الإغتسال كأول فعل تقوم به بعد أن تقرر الدخول إلى الإسلام ، وهو بعد الإغتسال والتطهر إيضاً يحذرك من الوقوع في النار ، ونجد البوذية يرون النار كوسيلة للتطهر ، فهم يحرقون موتاهم ويذرون الرماد كعلامة للتطهير والمسلم يغسل عند مماته كعلامة للتطهير ، فتأثير الماء والنار واضح كوضوح الشمس على جميع البشر ، لذلك نجد الإسلام يأمر بالوسطية بين الماء والنار ، وكأنه قدر ماء يغلي على النار ، لا الماء يحترق ولا النار أنطفأت .. وكل منهما بحاجة الأخر !

ربما كانت هذه من أهم الأشياء التي أستخلصتها و فهمتها في عامي السابق وهي فكرة الماء والنار ، ومدى وجودها في حياة الإنسان وتأثيره عليه ، وعليه نتصور الحياة بهذا الشكل ، وأن أبدأ عامي الجديد موزوناً بين الماء والنار ، فهما لا يفترقان في الرؤية الإنسانية ، حيث يتحدى النار ضديده الماء ، يزداد أجيجاً عندما يرتفع النار بحرارته ، وينخفض معاه بشكل متواز ، فلا ينطفأ أحدهما ، هو تصور ذاتي يعيشه الإنسان خلال أحداث حياته ويرسم خطاً حيث يتخطف المشي فيه وأن لا ينعرج سواء للماء ، فيغرق ، أو يحصر نفسه في النار ، فيموت !


ولا أنسى أن ألتفت إلى هذا التحرك والتفاعل الجميل بعد التدوينة السابقة / هنيئاً لك يا بحر ( أضغط هنا )

بين الإنترنت والواقع !

لازلت أظن أن أعظم إنجازاتي منذ دخولي إلى الإنترنت ، هي هذه المدونة ، لطالما أعتبرتها صومعتي التي أتحنث بها وهي في ذات الوقت منبري ، حيث أعيش فيها بعيداً عن خطايا الحياة ، وأنثر فيها أفكار عقلي ومشاعر قلبي ، دون شعور بالوجل ، هي مشاعر من الصعب أن تقال في مجتمع بدوي رغم ما يدعيه من التمدن ، فلا زلنا وراء أسوار العيب التي نحتجب خلفها التي جعلت من أفكارنا دفينة الصدر ، لا تكاد أن تظهر حتى تقمع من الأخرين في المجتمع ، سواء كان ذلك بقصد أو بدونه ، فقد أعتادوا على هذه التصرفات حتى أصبحت طبائع فيهم ، لا يعي أحد منهم ما يقوم به من دمار للأخر !

لذلك كانت الكتابة في مجتمعنا وأنت مجهول التعريف ، أكثر رحابة وتقبلاً من كونك ذا كيان يتم تعريفه بإسم شخصي وله بطاقة مدنية ، يتنفس ويشرب ويأكل ،  فهذا أصعب على مجتمعنا من كونك مجهول وتعيش حرية التخفي في الأراء والطرح والمشاعر ..

fg43w2tgw23t3w2t3w2twe3tfg

أذكر مره وأنا في صغري في إحدى المجالس حيث هممت بإستجماع قوتي عندما أردت مقاطعة أحد كبار السن وهو يستدل بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، فقلت له إن هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام الذي قد قلته ضعيف ، زمجر صاحب المجلس وغضب و أنتفخت أوداجه وهو يقول لي ’’ لا تقاطع الكبار عندما يتحدثون ‘‘ وكان صاحب الحديث المكذوب يقول له ’’ الجيل الجديد لا يفهم كثيراً ‘‘ ، هناك الكثير من المواقف التي تحدث أمامي في المجالس والشارع التي لا أستطيع إضفاء تعليق صغير لتصحيح معلومة عندما يكون الذي أمامي كبيراً في السن ، بل أنني لا أنسى موقفاً آخر لأحد خريجين الكليات الشرعيه وهو يتحدث في مجلس يعج بالرجال عن كراهية قول ’’ أنا ‘‘ ويستدل بالأية القرآنية حيث قال إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: 12]  ، فقلت له معقباً وحتى أبين أن لا أصل في كراهية قول كلمة ’’ أنا ‘‘ وأنه مباح قوله ، فقلت له وما رأيك بهذه الأية ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ ) و الأية ( وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ – سورة الحجر (89) ) ، لم أراه بمثل هذا الغضب أبداً في كلامه ، وكأنه يقول ( وش عرفك ؟ )  وذلك بسبب أنني لم أتخرج من كلية شرعية وهو على العكس من ذلك خريج كلية شرعية ، ولم ينتهي كلامه إلا بتأكيده أن ما قاله صحيح ، لم أعارضه بعدها ولم أفكر بالإستمرار بالتجادل معه ، و للإسف أستمر هذا معي ما أواجهه لفترة حتى في عصر بدايات الإنترنت مع المنتديات ، حيث كنت أحيان كثيرة أتفاجأ بمقالات لي قد حذفت لإنها ببساطه لم تعجب صاحب الموقع ، أو أنها تخالف الرأي العام في المنتدى .. فكانت هذه المدونة التي أعيش بها دون قيود من أحد ، ولا أخفيكم بمراسلات كثيرة تصلني للدعاية أو كتابة تدوينات عن منتجات ومواقع ولكن كنت أرفضها لإني أشعر حينها سأبدأ بتقييد نفسي بما يريده الأخر ، وليس بما أريده أنا ..

فالإضطهاد الفكري لدى المجتمع قيّد حرية التعبير لدى الأفراد وأصبحوا تحت تأثير العيب والخوف من المجتمع فكان دخول الإنترنت هو الكاسر لهذه القيود و هو التحول الكبير الذي حدث ، فجعل لهم متنفس لطرح الأراء وما يجول بالعقل والقلب وأن تتجاوز كل هذه الأجيال الجديدة والمتعلمة مرحلة الخوف من المجتمع ، دون أن تواجه بكلمات مثل : من أي جامعة أنت تخرجت ؟ وكم عمرك ؟  لذلك أصبح من الأسلم أن أكتفي بأسمي الأول وأن لا أشيع أسمي الكامل ، يا ما كنت كثيراً أستخدم مسميات أخرى في منتديات أصدقائي حتى لايعرفون من هذا الذي يكتب ، كنت أشعر براحه عندما أرى الكلمة لوحدها هي من تجابه العقول ، بدلاً من وضع أسماء الأشخاص بجانبها ، لطالما كنت أستمع بإنصات لمحاضرات لشتى الناس ، وكنت أقوم بتحليل كلامهم بشكل مجرد دون أحكم عليه بسبب ماهية الشخص ، وأحيان كثيره أحفظ القول دون أن أتذكر من قائلها ! ، لإنني ببساطة لا أهتم بمن قالها ..

ومن يلاحظ فورة التغيير السريع التي حدثت بالمجتمع خلال السنوات الأخيرة ومدى أرتفاع الوعي وحرية الكلام في مواضيع كانت محرمة سابقاً ، حيث أصبح الناس يتدارسون أفكارها عبر مواقع الإنترنت الإجتماعية ، فالكتب أصبحت من السهل تبادلها عبر الأنترنت والإطلاع عليها وقراءة كل ما هو تحت أسوار التقييد ،  مما يسر الطريق إلى التجديد والتطور في التفكير خارج أسوار العادات ، و أصبح  الوعي يصل إلى مستويات عالية وذلك لعدة أسباب أهمها التناقل الرهيب للمعرفة بضغطات زر وإيضاُ أصبح بإمكان الإنسان العربي أن يتخفى عن قيوده المجتمعيه ، وأن يعيش في أفق الحرية التي نفتقدها بداخل أنفسنا بشكل أساسي ، فلم يعد الآن للإنسان عذر كي يبقى جاهلاً أو خائفاً أو حتى يشكك في قدرات نفسه مع هذه الإمكانيات المتوفرة بالإنترنت ،  لم يعد أمامه عائق سوى نفسه و أسوار ذاته ، فمتى ما كسرها ، أصبح له سهلاً تقبل رأي الأخر في المجتمع وأصبح له من الإمكان أن يعلو بعقله بين الناس ، وأن لا يبقى في صفوف الجاهلين و المخدوعين و العاثرين في الحياة !

عذراً رسول الله

صُدمنا في لحظات غير متوقعة بينما نترقب سماع أذان إفطار يوم التاسع و العشرون من رمضان و كانت إيضاً نفس اللحظات التي نترقب فيها إعلان يوم العيد ، في تلك اللحظات المختلطه و الممزوجة بالحزن لوداع رمضان و بين الفرح لقدوم العيد ، وفي خضام هذا الصمت لسماع صوت أذان المغرب لإعلان الإفطار و محاولة سماع خبر رؤية هلال يوم العيد ، أخترق ذلك الصمت دوي إنفجار ، لم يكن ذلك الصوت يشابه صرخة دعاء لمسكين يريد أن يسبق أخر لحظات رمضان بالعفو و المغفرة ، بل كان صوت تفجير و قتل و هلاك ، و أين يا ترى ؟ بمسافة أمتار معدودة عن قبر الحبيب المصطفى ، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اتى المقبرة فقال : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون وددت انا قد رأينا اخواننا قالوا أولسنا اخوانك يا رسول الله قال بل انتم اصحابي واخواني الذين لم يأتوا بعد ) يقول عنا نحن الذي لم نراه بإننا إخوانه ، ومنا من .. !!

Madina-bombing 

صورة الدخان في رحاب مسجد الحبيب المصطفى و هي تتعالى ممخوضة بدماء المسلمين الصائمين ، بفعله الشنيع تعدى حرمات كل شيء ، الزمان و المكان و الإنسان .. !!

ولا حول ولا قوة إلا بالله

*أكتب هذه التدوينة و أنا أقضي أيام العيد في البقعة الأعظم على الأرض ( مكة المكرمة ) ، دعاء ينطلق من مكة إلى المدينة.

شهر الحب

شهر تتنزل فيه الرحمه بدون إستثناء ، و بلا إنقطاع من أول يوم فيه حتى آخره ، يتباشرون الناس بقدومه و يتباشرون إيضاً بإنتهائه ، لذلك أهنئكم جميعاً بحلول شهر رمضان ، جعلنا الله من صوّاميه وقوّاميه و انتم بأتم صحة و عافيه.

فانوس_رمضان.jpg

الحب هي حاله حركيه روحيه أجتمعت فيهما التضحية و الإيمان ، و تتميز عن سائر الحالات الأخرى التي يعيشها الإنسان بوجود الرحمة من خلال العطاء ، ومن وجود الفداء عبر الإيثار الذي لا يرجى عبره تبادل منفعة مادية .

تعريف أكتبه من خلال شهر رمضان الذي يتميز عن باقي الأشهر بإنه شهر الحب ، شهر تنقطع فيه مسالك الكره عبر إجبار النفس عن عكس العكس ، عن قطع آكل ما نحب ، و عن كف الألسن عن ما نكره !

الحب هو الإمتثال رغم المصاعب التي تواجهها عبر صراعك الذاتي عن ما ترغبها ، قد أمارس أفعال يفعلها مثل العطاء ، فالله يعطي ، و أنا أعطي ، لا ينام هو و أنا أحاول أن لا أنام في الليل من أجله ، قال لي أقرأ و أنا ها أنا أقرأ .

الله نحبه ، و يريدنا أن نمتثل بأساميه ، الودود و الغفور و الشكور و العليم إلى نهاية أسماءه التي نعلم عنها و ما لم نعلم ، كل أسماءه أفعال تشير لنا أن نحتذي بها ونتكوّن من خلالها لنمضي حياتنا.

ومن أجل ذلك في كل حب ، فعندما أحب شخصاً ، فأقوم بتقليده عندما يقرأ كتاباً ، أو عندما يسقي زهرة ، أحاول أن أستشعر كل شيء فيه عبر قيامي بحركاته و أشياءه التي يحبها ، فمن خلالها أبدء بتفهمه ، فعندما يهتم لصنوف الأزياء من أجلي ، فهو يحبني بكل تأكيد ، أو يبدأ بالاهتمام بالسيارات فهو يحاول أن يتقرب مني بذلك ، ربما الطفل الذي لا يملك أي صنف من التعبير تجده عندما يقلدك ، فهو يحبك .

  • أحاول بتدويناتي الآخيره أن أكون سهلاً في الأسلوب و واضحاً في الكتابة ، بدون تشتيت لكي يستفيد القاريء ، ما رأيك ؟

سيلفي Selfie

في البداية لا أخفي كرهي لعملية تصوير الذات المادية ، قد أكون سهلاً معك بتوصيف ذاتي و تقلبات روحي من أعماق أعاصير الأفكار التي تلوج بي من خلال الكتابة ، ولكن مسألة أن أقوم بتصوير نفسي على سبيل المثال و نشرها عبر وسائل التواصل هي قضية مرفوضه و خاسرة عندي بمجرد طرحها على طاولة رغبات الذات !

PicsArt_05-28-03.26.04

( لا أجد متعة في تصوير الأشياء المادية ، بينما العكس تجدني أغرق في تصوير الأحرف التي تحاكي الروح )

  • أهم ما أكتشفته في رحلة الذات العميقة التي عزلت نفسي فيها بعام 2015 ( هنا ) هو تصنيف ذاتي إلى إنسان غارق بالروح لذلك لا تهز نفسي كأس مزينه بنقوش إن كانت ستسقيني علقماً ، ولا ترف عيني لمجرد أضواء باهرة لمبني حديث إن كنت لا أشم رائحة جميلة تلامس وجداني و تستعطف إحساسي .
  • إحدى المرات و بينما أحد الأصدقاء يتبضع حاجيات له من محل متخصص للتجميل و العطور ، توقفت بائعة عندي تعرض مساحيق و دهانات للوجه تريد مني أن اشتريها ، كنت أتحاشها بقولي أنني لا أحتاج مما تقولين يا سيدتي ، فقالت لي بطريقة الحل الأخير ، الا يوجد مال لديك ؟ ، أتذكر وقتها أنني ضحكت كثيراً بداخلي ، ولم أبالي بالرد حينها.
  • الغرق بالماديات ، الإسفاف بالروح ، و الأهتمام بالشكليات و تهميش الذات ، هي سمات هذا العصر الجديد الذي أحاط بنا بإدواته الجديدة ، سناب شات و تويتر و إنستغرام ، فضاعت أرواحنا في متاهات الإبتذال و أصبحت الأفكار نوعاً من الكلام الغير المفهوم ، و أستبدلناها بقوالب نرتديها تحت مسميات شانيل و دولتشي قابانا.
  • حياتي بالقراءة و الكتابة هي ما تبدد وحشتي في هذا الزمن الذي أصبحت لا أفهمه ، أتواصل من خلال القراءة مع الماضي الذي لم أعيشه ، و بالكتابة أتواصل مع المستقبل الذي أحلم العيش به.

 

أرواحنا صارت غريبة ، تتنفس فراغاً ..

أصبحت موحشة ، لا تعرف طعاماً و لا شراباً ..

 

~ كانت مجرد أحاديث ضائعة في كنفات غربة الروح.

 

غاندي ( أنموذج للإنطوائي )

9hu9i

غاندي وطبقاً لسيرته الذاتية ، فقد كان إنساناً خجولاً و هادئاً بالفطرة ، وفي طفولته كان يخاف من كل شيء : اللصوص ، و الأشباح ، والأفاعي ، و الظلام ، والغرباء على وجه الخصوص ، ودفن نفسه بين ثنايا و طيات الكتب و كان يهرع عائداً للمنزل بمجرد انتهاء يومه الدراسي بالمدرسة ، خشية أن يضطر للتحدث مع أي شخص ، وعندما صار شاباً ورغم أنتخابه لشغل منصبه القيادي الأول كعضو في اللجنة التنفيذية لجميع الأشخاص النباتيين ، كان يحضر سائر الإجتماعات ولكن خجله الشديد يمنعه من الحديث.

سأله أحد أعضاء اللجنة وهو يشعر بالحيرة : (( إنك تتحدث معي على ما يرام ، ولكن لماذا لا تنبس ببنت شفة في أي من أجتماعات اللجنة ؟ )) وعندما نشب صراع سياسي في اللجنة ، كان لدى غاندي آراء حاسمة ولكنه لم يجرؤ من فرط خوفه على الجهر بأي منها ، فقام بتدوين أفكاره كتابياً بهدف تلاوتها أمام الأعضاء في الإجتماع ولكن جَبُن في النهاية حتى عن تنفيذ ذلك.

وتعلم غاندي بمرور الوقت أن يتعامل مع خجله ، علماً بإنه لم يتمكن مطلقاً في الحقيقة من التغلب عليه ، ولم يكن بوسعه التحدث بشكل إرتجالي أو عفوي وتجنب إلقاء الخطب كلما امكنه ذلك ، وحتى في سنواته الأخيرة ، كتب يقول :  (( لا أظنه أنه يمكنني أو حتى أنزع إلى الاستمرار في أجتماع مجموعة من الأصدقاء مشغولين بالتحدث )).

إلا أن خجله هذا صاحبته قوته المتفردة .. وهي نوع من القيد يمكننا فهمه على أفضل وجه عن طريق سبر غور جوانب غير معروفة للكثيرين من قصة حياة غاندي ، لقد قرر غاندي – وهو بعد شاب – أن يسافر إلى إنجلترا لدراسة القانون ، وهو ما جاء مخالفاً لرغبات طائفة مودهي بانيا التي ينتمي إليها ، فقد  كان محرماً على أبناء الطائفة تناول اللحوم ، و آمن زعماؤها أن أتباع النظام النباتي كان أمراً مستحيلاً في إنجلترا ، ولكن غاندي كان قد تعهد بالفعل لأمه الحبيبة بإن يمتنع عن تناول اللحوم ، وعلى هذا فلم ير أي خطورة في الإقدام على رحلته ، وقد أوضح غاندي رغبته تلك لـ الشيث (( شيخ الطائفة )) عندما أحتج الشيث قائلاً : (( هل ستتجاهل تعاليم الطائفة ؟ )) فأجابه غاندي : (( أنا أشعر بالعجز حقاً .. فأنا أعتقد أن الطائفة لا ينبغي عليها التدخل في هذا الأمر )) كان رده بمثابة القنبلة ! وترتب عليه عزله و حرمانه من عضويته بالطائفة قرار ظل سارياً حتى عندما عاد من إنجلترا بعد ذلك الموقف بعدة سنوات تحدوه آمال مبشرة بالنجاح كمحام شاب يجيد التحدث باللغة الإنجليزية ، وأنقسمت الطائفة حول كيفية التعامل معه ، حيث أحتضنه أحد المعسكرين بينما لفظه الآخر ، وكان يعني هذا أن غاندي لم يكن مباحاً له أن يأكل أو يشرب في بيوت أعضاء الطائفة الآخرين ، بمن فيهم شقيقته ووالدا زوجته.

وكان غاندي يعلم أن أي رجل آخر في مكانه كان سيلتمس إعادة قبوله في الطائفة مرة أخرى ولكنه لم ير أي فائدة ترجى من ذلك ، فقد كان يعلم أن التناحر لن يجلب سوى الثأر و الإنتقام ، فأستجاب بدلاً من ذلك لرغبات الشيث وظل بمنأى عن الطائفة وبيوت أعضاءها ، وحتى عن آسرته وذلك على رغم من أن شقيقته و أسرة زوجته كانتا على أستعداد لاستضافته في منازلهم سراً إلا أنه رفض ذلك.

مالنتيجة التي ترتبت على امتثاله لهذه الأوامر ؟ لم تكف الطائفة فحسب عن مضايقته ، بل قام أعضاؤها – بمن فيهم هؤلاء الذين تسببوا في عزله – بمساعدته في عمله السياسي الذي تلا ذلك ، وبدون أن يتوقعوا أي شيء في المقابل ، وعاملوه بحنو وكرم ، وقد كتب غاندي فيما بعد يقول : (( أنا على قناعة بإن كل هذه الأشياء الطيبة سببها عدم معاندتي ، ولو كان قبول أنضمامي للطائفة تسبب في إضطرابي و استثارتي ، ولو حاولت تقسيمها إلى المزيد من أنأى بنفسي بعيداً عن المشاكل ، لكنت وجدت نفسي لدى عودتي من إنجلترا غارقاً في دوامة من الاستثارة و التحريض )).

وقد اتبع غاندي هذا النمط السلوكي – أي قراره بقبول ماقد يعترض عليه أي شخص غيره – مراراً و تكراراً في حياته ، وكمحام شاب يعمل في جنوب أفريقيا ، تقدم للإلتحاق بنقابة المحامين المحلية ، إلا أن النقابة هناك لم تكن ترغب في انضمام أعضاء من الهنود إليها ، وحاولوا التصدي لطلبه وتعجيزه عندما اشترطوا الاطلاع على نسخة أصليه من إحدى الشهادات التي كانت محفوظة لدى محكمة بومباي العليا و بالتالي كان يتعذر الحصول عليها ، أثار الأمر حنق و غضب غاندي ، فقد علم جيداً أن السبب الحقيقي وراء هذه المعوقات هو التمييز ، إلى أن يظهر مشاعره وقام عوضاً عن ذلك بالتفاوض معهم في صبر و حلم ، إلى أن وافقت النقابة على قبول إقرار خطي مشفوع بقسم من أحد أصحاب المقام الرفيع المحليين هناك.

وجاء اليوم الذي وقف فيه غاندي للإدلاء بقسم الانضمام للنقابة ، فامره رئيس المحكمه أن يخلع عمامته التي يعتمرها ، أدرك غاندي عندها مواطن ضعفه الحقيقيه ، كان يعرف أن مقاومته سيكون لها ما يبررها ، ولكنه كان يؤمن بإن عليه حسن اختيار ما يخوضه من معارك ، لذا قام بخلع غطاء رأسه ، الأمر الذي أزعج أصدقاءه ، قالوا إن صاحب شخصية ضعيفة وكان ينبغي عليه أن يتشبث بمبادئه ، إلا أن غاندي شعر بأنه تعلم (( أن يقدر جمال الحل الوسط و التسوية )).

وإذا سردت عليك هذه الحكايات دون ذكر اسم غاندي و إنجازاته اللاحقة ، فربما تعتبر بطلها شخصية شديدة السلبية ، وفي الغرب ينظر للسلبية على أنها خطيئة ، ومعنى أن تكون (( سلبياً )) حسبا ورد في قاموس ميريما – وبستر – هو أن (( تكون تحت تأثير قوة خارجية )) ، كما أنها تعني أيضاً أن تكون (( مستسلماً )) ، وقد رفض غاندي نفسه عبارة (( المقاومة السلبية )) حيث أنها مرتبطة عنده بالضعف وفضل مصطلح (( ساتياجراها )) الذي أستحدثه كي يقصد به (( الثبات و الرسوخ في ملاحقة الحقيقة )).

ولكن كما توحي كلمة (( ساتياجراها )) فإن سلبية غاندي لم تكن ضعفاً على الإطلاق ، بل كانت تعني التركيز على الهدف الأكبر و الأهم و الامتناع عن تشتيت طاقته في مناوشات غير ضرورية إبان ذلك وكان غاندي يرى أن ضبط النفس من أهم و أعظم خصاله ، وأن هذه الخصلة نبعت من خجله :

لقد عودت نفسي على التحكم في أفكاري ، ولم يخرج من لساني مطلقاً أو خط قلمي كلمة طائشة دون التفكير فيها أولاً ، لقد علمتني الخبرة أن الصمت جزء من الإنضباط الروحي للمدافعين عن الحقيقة ، و هناك الكثير من الناس شديدو التوق للكلام وتضيق صدورهم عند الصمت ، ويعد ذلك إهداراً فادحاً للوقت ، وكثيراً ما كان خجلي بمثابة درعي الواقية و مصدر حمايتي ، لقد أعانني على النضج و ساعدني في أستبصار الحقيقة.

إلا أن القوة الناعمة لا تقتصر على النماذج أو الأمثلة الأخلاقية مثل مهاتما غاندي ، ولتفكر – على سبيل المثال – في تميز و تفوق الآسيويين بشكل هائل في مجالات مثل الرياضيات و العلوم ، ويعرف البروفيسور (( ني )) القوة الناعمة على أنها (( إلاصرار الهاديء )) وهذة الصفة هي لب التفوق الدراسي .. تماماً كما شكلت أساساً لإنتصارات غاندي السياسية ، وتطلب الإصرار الهاديء الانتباه المتواصل للتحكم في ردود أفعال المرء تجاه عوامل الاستثارة و المحفزات الخارجية.


نقلاً عن نسخة مترجمه من هند صابر لكتاب (( الهدوء .. قوة الانطوائيين في عالم لا يستطيع التوقف عن الكلام )) تحدثت عنها بتدوينة سابقة ( الهدوء : قوة الإنطوائيين ! ) ..

أثارتني قصة غاندي بتفاصيلها في الكتاب فأصابتني بالذهول ، لذلك قمت بكتابتها لكم 🌹

الكتابه ليست كالقراءة !!

الكتابة هي الحفظ ، و القراءة هي الإسترجاع ،  يقول عبدالله الغذامي إن عملية القراءة تكون برؤية القاريء ، لا تكون أبداً برؤية الكاتب كما يتوقعها الكثير ! ، فأنني اذا قرأت ما كتبت بعد حين فإنها تكون حسب رؤيتي الجديدة و لربما أكتشفت مالم أكن أقصده عندما كتبته ، و لكن فإن كل قاريء منا وحتى ولو كان الكاتب نفسه يقوم بقراءة نصوصه و كتابته فإنه يقوم بقراءته بفهمه الجديد بعد زمن و تتشكل أمامه معاني جديده ربما لم يكن يدركها حتى حين كان يكتبها ! ، لذلك فإن الكتابة ليست كالقراءة ، لإن القراءة متغيرة و متجددة و تبقى الكتابة ثابته جامدة لا تتحرك ، نختلف في قراءتها حتى مع أنفسنا ، ولكن الكتابة تبقى كما هي لا تتغير ، نحن من نتغير مع القراءة ، فهي حالة متغيرة مرتبطة بالحركة القرائية للقاريء.

chickenegg1

ليلة البارحه في الإذاعة كان المذيع يقوم بسؤال المستمع ، أيهما أتى أولاً هل هي الدجاجة أم البيضة ؟ ، في لحظتها بدأت أستعير هذا السؤال القديم وجعله حسب فكري الذي يلوج هذه الإيام في رأسي ،  أيهما تكوّن و قد تشكل فيني أولاً ؟ هل أنا أتيت كاتب أم قاريء أولا ؟  أيهما أنا أولاً ؟ جدلية بيزنطية كثيراً ما كانت تثير أهتمامي ، أتصدق ؟ أظنني كنت أكتب قبل أن أقرأ ! ، لابد بوجود ذلك الشيء الذي أتى معي مع الولادة كالمشي و القفز ، ذلك الشيء المحفز على الكتابة قبل أن أبدأ بالقراءة بجميع أنواعها ، شيء غريب كنت قد تجادلت مع الكثير حوله ، هذا الشيء الذي يضع تصرفاتنا و أفكار لنا بشكل مسبق قبل أن نخرج حتى من العدم ، لذلك أجد طاقة من التفكير الكبيرة التي تقدح و تشتعل عند بداية كل لحظة أهم بها عند الكتابة ، حتى عندما أقوم بالقراءة أجد يدي تُستفز على الكتابة وتنجذب مباشرة إلى القلم أو لوحة المفاتيح ، فهي تأخذني للحظات مبهجة ومريعة في نفس الوقت ، لذلك أجدني1-BILL_SIENKIEWICZ-BATMAN مطيع بشكل مخيف لسيادة رغبة الكتابة بداخلي ، حيث لا تهدأ الأمواج الفكرية المتلاطمة بداخل رأسي حتى أبدأ بالكتابة فتبدأ بالهدوء ، على سبيل المثال أقول أني بدأت بالكتابة عن الحب لسنوات طويلة قبل أن يكون لدي حب ! ، كل هذا لمجرد الكتابة ، كانت هي مراهقتي المبجلة والتي ربما أكشف عن هويتها لأول مره ، ولذلك في هذا العام سأبدأ بكشف ذاتي و رغباتي الحقيقيه بعد ( 2015 ، الهدوء و العزلة ! ) ، سأنزع أعواماً كنت أختبأ في حيائي و خجلي ، سأنزع أسمي الوحيد يزيد ، و أكمل كشف أجزاء مني كانت مخفية ، ربما كنت نسخة باتمان الرجل الخفاش الكرتونية ولكن أنا في إتجاه الكتابة ، التخفي كان بسبب الكتابة ومن تحريضها القاتل ، لطالما كنت ألعنها دوماً خوفاً من بطشها ، كنت أخاف على تفآريقي منها ، كنت أخاف على أجزائي منها ، كنت أخاف من عصا الساحر ، أقصد هذا القلم ، كنت أحاول الإبتعاد عنه في كتاباتي ، لربما كنت أنكره و أجحد علاقتي به و أعلن براءتي من أي نقطة فيه ، ’’ لم أمس هذا الخط و لا تربطني به أي علاقة و لأول مرة أرى هذه التعويذات التي تسمى بالكتابة  ‘‘ هذا الصوت الذي لطالما كنت أسمعه داخل رأسي خلال السنين الطويلة الماضية ، كان يتملكني ذلك الجحود لما كنت أكتبه ، فكان الحل في وجهة نظري الكتابة بإسمي الأول دون أي إشارة مباشرة لي ، كنت أشعر بالراحه ولكن في نفس الوقت كنت أشعر بالنكران الذي يملؤني بكل إنعكاسات التناقض الذي أختزل فيه أفكاري حتى تتناسق ، ذلك التدرج اللوني الصارخ بين شدة البياض و شدة السواد والذي يتمثل أمام عيني بخطوط سوداء ترتسم شامخة في صفحات بيضاء ، مجرد وجود اللون الاسود هي تهمة جاهزة مقدمة للأخرين لإتهام الكاتب بالسواد ، بالضلال ، بالضياع ، لا يهم ما يقول ، فـ أنا سأكتب ..

’’ أنا بالكتابة أكون أو لا أكون ! ‘‘