رحلتي إلى سريلانكا

05-20160810_175619_HDR

تأخرت كثيراً في كتابة تدويناتي لهذا العام عن السفر ، بل من تنبه سيجدني إيضاً لم أكتب أي شيء حتى عن سفرتي للعام الماضي ، لذلك قررت هذه الليلة معاودة التحدث عن الأماكن ، المادة ، ذلك الشيء الذي أبتعدت عنه في الفترة الماضية ، كنت أتحدث كثيراً عن الأفكار ، الكتابة ، الروح .. كنت أتفادى كثيراً الكتابة عن المادة ، ربما كان هذا أثر الكتاب علي ، جعلني روحيّاً أكثر .. عموماً سأبدأ بتدوينات السفر ، سأبدأ برحلتي العام الماضي ، أصبحت الكتابة عنها أمر لا يمكن تأجيله ، خصوصاً بعد رحلتي لهذا العام ، فأنا لا أحب أن تتراكم علي الأمور .. 😁

البداية كانت مصادفة ، محادثة بيني وبين صديقي محمد حول رغبتي بالسفر ، كنت قد أدخرت مبلغ من المال ولكن مع بداية الصيف طرأ أمر دفعني لأعطي المال لشخص آخر ، رغم معرفتي بعدم إمكانية إسترداد المال ، لذلك وضعت المال تحت بند الهبة  ، قررت أن أعطيه ولا أخبر زوجتي ..

قلت لمحمد : سأذهب إلى دبي ، كان حديثنا بداخل أحدى المقاهي ، و كان الحر يموج بالخارج مع هواء يسبح بداخله ماء ، يهيء لك في أول الأمر وأنت تفتح باب السيارة بإنك تتنفس ماء وليس هواء ، بعضهم يطلق عليه تسمية رطوبة ، أما أنا لا ينطبق علي هذه التسمية ، فأنا أسميه أتنفس بحراً ، فكأن البحر يطير في الهواء .. قاطع أفكاري وقال لي وبشكل سريع ومدهش في آن واحد : لا يمكنك الذهاب إلى مكان حار ، الجو لا يحتمل الآن ، حاول أن تسافر إلى أي بلد آخر بعيداً عن المنطقة التي تكون في هذه الأيام هي أكثر مناطق العالم أشتعالاً بالحرارة ، كلامه كان يبدو منطقياً بالنسبة لي ولكن هذه الحالة المالية الطارئة التي حدثت لي جعلتني محدوداً في الخيارات ، هنا الميزانية التي تحكمني ولست أنا من يحكمها ، خصوصاً بعد إعطائي لصديقي كل ما أدخرته للصيف .. كان يقول لي سافر إلى ماليزيا ، أو التشيك ، وقام بلا توقف بطرح خيارات كثيرة أمامي في محاولة بائسة منه لتغيير فكرة الذهاب إلى أي دولة خليجية ، أعلم كيف يحبني هذا الصديق عندما ينصحني ، ولكن ليس باليد حيله ، هكذا كنت أجيبه .. وقبل أن أذهب قال لي راجع الفكرة من جديد وحاول أن تحسب أمورك المالية ..

وفي طريق عودتي إلى المنزل ، فقد كانت مسافة الطريق كافية للتفكير بكل ما قاله ، فلما وصلت قمت بفتح حاسوبي والبدء بتفقد تكاليف السفر إلى سيرلانكا ، كم هي أسعار التذاكر ، والسكن والمصاريف العامة ، كانت التذكرة لحالها رقم غير معقول ، والسبب نحن في موسم العطلات ووقت الذي أرغب الذهاب فيه هو بعد أسبوع .. كنت متأكداً في الحقيقة من عدم إمكانيتي للسفر ولكن قمت بهذا من أجل صديقي ، قمت بتصوير الشاشة بهاتفي وإرسال الصور له حتى يقتنع ، ويشعر إيضاً أنني قمت بالمحاولة بنصيحته ..

ذهبت إلى النوم بعدها ، وفي صباح اليوم التالي وأنا في العمل ، لازالت كلمات صديقي ترن في رأسي بالمحاولة من جديد ، لا أعلم مالذي دفعني للتجربة من جديد بالبحث ، حاولت تفسير ذلك ، ربما الأمل ، ربما الأحلام ، ربما محاولة إرضاء نفسي بإنني قمت بكل ما يمكن القيام به .. ولكن كانت المفاجئة عندما وقعت عيني على شاشة الحاسوب بالعمل أن أرى الأسعار بنصف أسعار البارحة ، لم أصدق ما رأيته بعيني ، فأعدت البحث من جديد ، وكانت الأسعار حقيقية مثل ما رأيتها قبل لحظات ولم تكن خطأ تقني ، بالفعل هي نصف أسعار البارحة ، راجعت الصور التي قمت بتصويرها لمحمد ليلة البارحه ، فعلاً لم تخني الذاكره ، قررت إغلاق المتصفح ، فأنا أحترم وجودي بالعمل لذلك قررت تأجيل دراستي الكاملة عن الرحلة عند عودتي للمنزل ..

عدت للمنزل وكانت المفاجئة مرة أخرى ، فالأسعار تغيرت من جديد وأصبحت حتى أعلى من ليلة أمس ، أصبت بالدهشة و الأستغراب مما يحدث معي ، كان التفسير الوحيد الذي أملكه ، هو أن دبي هي من نصيبي وفي أنتظاري مهما حاولت نكران ذلك ..

في اليوم التالي كنت أتحدث مع زميل إنجليزي عن هذا الأمر وكيف تغيرت الأسعار فجأه بين الصباح والمساء ، قال لي تأكد مره اخرى الأن وأنظر إلى الأسعار ، قمت بسرعة بفتح الجهاز وفعلاَ مثل ما توقع هو ، كانت الأسعار مثل ما رأيتها صباح يوم الأمس ، قال لي  أنه أكتشف حدوث ذلك معه بالمصادفة ، فشركات الطيران تتلاعب بنا من خلال ملفات ال Cookies ، حيث تتعقب الأجهزة التي تدخل بأستمرار على مواقع حجوزات الطيران وتقوم برفع الأسعار بشكل تدريجي أو حتى مفاجئ ، أما الأجهزة التي تدخل لأول مرة للتصفح يتم وضع الأسعار الحقيقية للتذاكر ، هي حيلة يقومون بها لأصطياد الزبائن المحتملين .. ولتفادي هذه المشكلة معك ، قم بالبحث من خلال وضع التصفح الخفي عبر متصفحك في مواقع حجوزات الطيران .

مرة أخرى أعود هذه المرة للمنزل وأقوم بالتصفح في حالة التخفي ، وقمت بمسح جميع ملفات الكوكيز ، وظهرت لي الأسعار كما رأيتها في العمل ، بعدها أعددت كوب شاهي ساخن حتى أفكر بالرحلة إلى سيرلانكا ، وبعد إعدادي لحساب التكاليف كاملة للسفر ، أقتنعت بفكرة الذهاب لها ، فقمت بحجز التذاكر لي ولزوجتي ، كنت أشعر بالضغط المالي ، بالإضافة إلى مخاطر التكاليف الطارئة ، وقبل السفر بيوم واحد ، كنت أتفقد حساباتي المالية ، وجدت مبلغ زائد يعادل عشرة الاف ريال بأحدى حساباتي ، فقمت بمراجعة حسابي فلم أجد أي أثر يفسر كيفية قدومه ، وكأنه مبلغ سحري فجأة ظهر ! ، لم أجد أثر لأي حوالة قادمة لحسابي ، فهمت بعدها أنها خطأ من البنك الذي أتعامل معه ، ولكن قررت أن أضعه في حساب آخر أملكه ، وأحتفظ به حتى عودتي من السفر ، قلت سيحميني من مخاطر المصاريف ! 😁

عندما أخبرت زوجتي بالحكاية كاملة لاحقاً ، قالت ربما كان هذا رزق من الله بسبب مساعدتك لذلك الشخص ، والجميل بعد عودتي بأيام تم سحب المبلغ كامل من حسابي ، لم ينتبهوا للخلل إلا بعد شهر كامل ، كانت سلفه جميلة منهم الحمدلله فقد ساعدتني كثيراً في السفر ، لهم كل الشكر والتقدير مني 😀 💝.

 

 

01-20160807_061327
صورة الطائرة

 

وقع أختياري بالذهاب على خطوط الطيران السيرلانكية ، لسببين مهمين ، الأول كان عامل السعر المنخفض والعامل الثاني كانت الرحلة مباشرة إلى كولمبو ، والخطوط متقدمة في مستواها وقد كانت مملوكة لطيران الإمارات قبل سنوات وبعدها أستثمرت فيها الحكومة السيرلانكية فهي تملك أسطول طائرات حديث ومجهزة بشكل جيد من الداخل ، لذلك كان أختيار موفق بالذهاب عليها وتجربتها.

 

2-DSC04812

طوال اليوم كنت أبقي النافذة مفتوحة ، لا بعوض ، ولا حشرات ، هواء نقي أثار دهشتي ، جعلني أسأل أهالي المنطقة عن سر هذه الرياح اللطيفة ، قالوا أن أسمها ( Monsoon Breeze ) وتهب من المحيط الهندي ، الغريب كونها جافة ولا أشعر بالرطوبة ، رغم تخوفي من هذه النقطة قبل وصولي.

6-DSC04866

 كان هدفي و أكثر شيء يحفزني بالذهاب هو الأستمتاع بالشاطيء ، ولم يخب ظني ذلك عند ذهابي لسيرلانكا ، كانت على الموعد بجمال الشواطيء و نقاء الأجواء ، كنت قد كتبت تدوينة ( سفر العزلة ) حيث كان البلد الذي قصدته هي سيرلانكا ، والذي كتبت فيها أكثر أجزاء الكتاب بعد أن تفرغت على شواطئها للعزلة والكتابة ، كانت السفرة بكاملها مريحة وهادئة إلى أبعد الحدود ، كانت تجربة عظيمة وغير أعتيادية بالنسبة لي.

 

04-20160809_191239

المسبح ومنظر الفندق الصغير من الخارج كما يبدو ليلاً.

 

08-20160810_183059_HDR

وهذه الصورة في النهار ولكن من الجهة الأخرى والتي يبدو المحيط فيها ظاهراً ، حيث الفندق يقع مباشرة أمام المحيط ، لذلك كانت أيام معظمها في الفندق ، مابين الشاطيء وهذه المقاعد التي أجلس عليها بجانب المسبح أو بشرفة الغرفة والتي تملك ذات الأطلالة ، لذلك أعترف أنني لم أخرج كثيراً ، فكما يبدو لم يكن لي حاجة بالخروج ..

 

06-20160810_175646

منظر المحيط يثيرني ، والشاطيء برماله الملساء ، يغريني !

في الحقيقة لم أتوقع هذا الجمال المدفون على شواطئها ، كان كنز غير مكتشف بالنسبة لي.

 

 

 

14-20160813_183649

الخطأ الوحيد الذي قمت به ، هو عند تغييري للفندق ، حيث قمت بأختيار فندق كبير ، كرغبة للتغيير ، الغرف كانت جديدة ، والصورة السابقة تظهر جمال المنظر بالخارج ، ولكن أفتقدت الحميمية والجو الدافء بالفندق الصغير الذي سكنت به سابقاً ، نعم الغرف كانت أفضل والمسبح أكبر والمطعم متنوع بشكل أكثر ، لكن كل هذه المميزات لم تعوض حميمية الفندق الصغير بالنسبة لي ، حاولت العودة للفندق السابق ولكن الحجوزات كانت ممتلئة ، لذلك أستمررت بهذا الفندق مرغماً ..

 

3-DSC04827
الغرفة من الداخل
13-20160811_191152
الفندق من الخارج

 

12-20160811_185236
أيضاً هذا الفندق يطل بشكل مباشر على المحيط ويملك مسبح كبير

 

 

11-20160811_184634

 

 

10-20160811_123203
شوارع سريلانكا

 

5-DSC04857
للبقر قدسية في التراث السيرلانكي

الكثير من الناس ربما لايفهم أو يدرك معنى الحضارة و الطبيعة ، ولا الفرق بينهما ، أو أنهما شيئين مفصولين ، نعم كما تبدو بشوارعها السابقة ، هكذا هي سيرلانكا ، دولة فقيرة ، ولا تملك رفاهية المجمعات التجارية التي بدول الخليج ، ولا تملك خدمات حكومية متقدمة أو مرافق بلدية بالمستوى المطلوب ، فهذه الأمور لن تجدها في سيرلانكا ، ستجدها بالتأكيد في دبي مثلاً أو ماليزيا ، ولكن ما وجدته بالنسبة لي ، قرب المسافة التي لا تتجاوز بالطائرة خمس ساعات ، والأسعار المنخفضة مقارنة بمناطق كثيرة حول العالم ، والأهم بالنسبة لي هو أن ” الشعب ودود للغاية “.

أتذكر في أحدى المرات طلبت مكرونة ولم يعجبني الطعم ، فلم أستطع أكمالها ، وسدت شهيتي عن أكل أي شيء أخر ، عندما رأت النادلة الصحن سألتني بشكل مباغت ، فأنا لم أكن أعلم أنهم سوف يتعاملون معي هكذا ، فقلت بعفويتي بأن مذاق الطبق لم يعجبني ، ذهلت من ردة فعلها التي كانت تحاول فيها إرضائي ، حيث سألتني كثيراً عن سبب عدم تقبلي لطعم الطبق ، ولم تتوقف عند ذلك بل ذهبت إلى الشيف لأحضاره إلى طاولتي وقامت بشرح ماحدث له ، وقال من باب الأعتذار سيقوم بطبخ المعكرونه كما أرغب بها ، بل سألني أن أكتب له الوصفة كاملة وسيقوم بها بالشكل الذي أرغب به ، وبشكل مجاني ، هذا لمجرد إرضائي ، وقامت بعدها النادلة بإحضار أيس كريم لطاولتنا كترضية عن ما حدث ! ، هذا الفعل بشكل أو بأخر كان يحدث معنا في كل مكان ، الشعب ودود ويرغب في إعطاء صورة حسنة عن السياحة لديهم ، بل أن بعض الموظفين في الفندق قد أتوا لي عندما رأوني في مدينة أخرى ، لمجرد السلام علي !

لم ألحظ مثل هذا المستوى من الودية والتعامل بمناطق أخرى في شرق آسيا قد زرتها سابقاً ، فما رأيته هو حالة خاصة بسريلانكا.

 

  09-20160810_185424

تجربة التوك توك في سريلانكا تستحق أختيارها عند رغبتك بالذهاب إلى مناطق قريبة من حولك ، في أحياناً كثيرة كنت أطلب منه أن يتجول في المناطق المجاورة للفندق دون هدف ، فقط لأستمتع بركوب التوك توك.

 

7-DSC04879
الأمواج قوية في شهر أغسطس
07-20160810_181847
تجربة السير على الشاطيء

هناك مطاعم جميلة ولكن قليلة في سريلانكا ، كان من ضمنها هذا المطعم الياباني الذي أخترته بسبب تشوّق نصفي الآخر لأكلتها المفضلة ( السوشي ).

16-20160822_190248
طاولة الطعام بالطريقة اليابانية الأصلية

 

17-20160822_194834
السوشي مع طبق البط الذي أخترته

 

 

15-20160820_204402
هدية من يد نصفي الآخر ،  قمنا بتعليقها في الفندق كأمتنان لهم

 

وصلت إلى نهاية التدوينة ب1745 كلمة والتي أختصرت خلالها أكثر من 23 يوماً قضيتها في سيرلانكا ، حاولت أن أختار أهم الملاحظات التي وقعت عليها عيني ، مثل أختياري للمطعم الياباني وحديثي عن المحيط ، لم أتحدث عن الغابات ، لأنني بكل صراحة لم أذهب لها ، ولم تكن في أهتمامي هذه المرة ، كنت عطشان للمحيط ، وجل أهتمامي الكتابة والأعداد للكتاب ، فكانت أوقات كثيرة أقضيها مابين الغرفة و البحر.

 

02-20160808_161623_HDR

 

*ملاحظة : جميع الصور من هاتف LG5