السيد أم السيء : السكر

ايها السيد الكريم ، ليس الفقر رذيلة ، ولا الإدمان على السكر فضيلة ، أنا أعرف ذلك أيضاً. ولكن البؤس رذيلة أيها السيد الكريم ، البؤس رذيلة.

هذا النص الحواري السابق لدوستويفسكي من كتابه الشيّق ، العقاب و الجريمة ، والذي سرعان ما تذكرت النص عندما بدأت مسألة التفكير حول وجود السكر في حياتي ! .. بدأت بالتنبه للسكر ووضع المجهر عليه قبل ما يقارب السبع سنوات ، عندما كنت أشاهد برنامجاً حوارياً على قناة الكويت وكان الضيف هو طبيب مختص بالسكر ، وكان يتحدث عن ضرورة تخفيف السكر في المشروبات ، كانت أول ردة فعل لي على هذا الحوار التلفزيوني أن بدأت بمقاطعة السكر في الشاهي ، ومن ثم تلتها مقاطعة السكر في القهوه الأمريكية ، أما اللاتيه وأخواتها من المشروبات فهي من الغائبات عن قائمة مشروباتي المحدودة والمكونة من شاهي بجميع ألوانه ، قهوة سوداء ، قهوة تركية وبدون سكر ، لا أهتم من أستغراب من هم حولي عند شربي لها بدون سكر ، فهي أصبحت بلساني لذيذة ، فقد أعتدت عليها بعد أسابيع فقط منذ أن بدأت بالشرب بدون سكر ، وأستمررت عليها حتى الآن ، إلى درجة أصبحت أتلذذ بطعم أوراق الشاهي وأميزه عندما أغير نوعه ، و أصبحت أكره الشاهي بالسكر ، رغم خلافي مع جدتي حول هذه النقطة ، حيث تنشد في كل مره نتحدث بها عن فكرة ألغاء وجود السكر في الشاهي ، فترد علي بصوت بدوي وهي تغني و تضحك “ لولاك يالسكر ما شربناك يالشاهي ” ،فهي أعتادت على وجوده لسنين طويلة ويبدو من الصعب أقناعها بفراق السكر في الشاهي ، رغم أنها على العكس مني تماماً ، فهي لا تأكل الحلويات و أنا أغرق في الحلويات إلى حد الثمالة ، لا يمر يوم دون أن آكل شيء من الكعك أو الشوكلاته و الأيس كريم ، فهي وجبة رئيسية عندي في وقت العصر مع الشاهي ولكنه كما أسلفت بدون سكر ..

كنت أعلم عن السكر ومخاطره ولكن كنت أكتفي بمقاطعته في المشروبات حتى رأيت الفيلم الوثائقي ” ذاك فيلم السكر ” .

6poijk0po56468

بمجرد أنتهاء الفيلم ، كان قد أعاد فتح أغوار مطمورة بداخلي ، وقام بتوجيه أنظاري من جديد حول أخطار السكر في الطعام على الصحة ، وخصوصاً ما يتم من تلاعب شركات الأغذية من خلال وضع كميات كبيرة من السكر في الأطعمة المباعة في أرفف البقالات لكي تزيد مبيعاتهم ، حيث قام بتجربة شخصية بأن يأكل أربعين ملعقة سكر لمدة شهرين و القيام بملاحظة التغييرات الجسدية والنفسية عليه ، الفيلم مدهش وطريقة الأخراج والشرح رائعة ، جعلتني بعدها أقتنع تمام الإقتناع بالتوقف عن السكر أو على الأقل محاولة الحد منه ، ولازلت مستمراً على هذه الحالة منذ أربعة أسابيع بمحاولة التوقف عن السكر ، وأعلم أن المشوار طويل وصعب ولكن أجده يستحق المحاولة ، فمن نتائجه أن بدأت بملاحظة أن مزاجي في أول اليوم كان متعكر والنفسية غير مستقرة حتى مرور عشرة أيام تقريباً وأصبحت الأحظ أستقرار في المزاج ، ولكن ليس من السهل التوقف عن أكل الحلويات تماماً وإذا توقفت تجد من الصعب التوقف عن وضع صلصات بالسلطات لإنها أيضاً تحتوي على سكر ، فعندما قررت متابعة كل علبة أشتريها وأن أقرأ محتوياتها من السكر كنت أتفاجأ من المنتجات التي تملأ أرفف كاملة هي مضاف لها السكر ، حتى أني شككت بمسحوق تايد أنه تم إضافة السكر له ، وأنا أمزح هنا بالتأكيد ولكن فعلاً بدأت بالتوّجس والشك حول غذاءنا والخطر الذي يحيق بنا و لا نشعر به ..

لهذا قمت بمقاطعة السكر في الغذاء قدر الإمكان ، فمثلاً يوم أمس كنت في مأدبة عشاء وأمامي صحون متنوعة من الحلويات وكان الداعي يقول لي كل مره يراني فيها ، كل يا يزيد من هذا الحلى وأنا أجيبه سوف أأكل بعد قليل ، كنت أستغرب من مشاعري عدم تجيشها و إنفراطها أمام شهوة أكل الحلى ! ، فقد كانت حالتها على غير العادة ، كتفسير بسيط : يبدو أن الهرمونات في جسدي لم تعد في حالة أدمان للسكر كما كانت بالسابق .. لا زلت أقول لنفسي الوقاية خير من العلاج .. ومن الجيّد أن أقاطع ما أعتقده سيكون مضراً لي ..

لمشاهدة الفيلم كامل :

 

سعادة الحركة

PSX_20171016_220010_crop_476x791-01

لم تسعني الفرحة و أنا أمسك بيدي اليوم مقبض المضرب لكي أضرب الكورة و أن يبدأ جسدي بالحركة بعد إنقطاع أجباري أستمر أكثر من أسبوعين كنت فيها خامل حركياً ، لم أتمكن من الحركة بسبب ألم الظهر والذي تكلمت عنه بالتدوينة تحليل جذور المشكلة ، فالآن وبعد أربعة أيام من تغيير مرتبة السرير أستطاع جسمي أن يتحرك بلا ألم ولله الحمد ، حتى بعد العلاجات التي وصفها لي الطبيب لثلاث أيام وتجاوزتها إلى أكثر من عشرة أيام ، لم تفدني في القضاء على الألم ، ولم يستطع معرفة المسببات ، ممتن لله أن دلني لأكتشاف مشكلة مرتبة السرير والذي ما أن غيرتها حتى وذهب الألم معها تدريجياً.

دائماً فكر بأسهل الأشياء قبل أن تبدأ بالأصعب.

20171014_191956-1024x1820-01.jpeg
المرتبة من شركة sealy

تحليل جذور المشكلة

أسابيع ثلاثة حتى الآن مرت علي منذ قدومي من السفر ، قضيت أول أسبوع طريح الفراش ، كان سببها إستثارة الحساسية ، بدأت من ليلة وصولي يوم الأحد وحتى يوم الأربعاء ، أعتقدت يوم الخميس بإن صحتي تحسنت وبدأت بالخروج قليلاً من المنزل ، حتى أتى يوم الأحد وقررت فيه أن أذهب إلى النادي وألعب مع أحد الأصدقاء لعبة الأسكواش ، لم أشعر بشيء بعد أنتهائي من اللعب ، بل أنني أستحممت وغيرت ثيابي إلى ثياب رسمية والذهاب إلى عشاء أحد الأصدقاء ، سمرت هذيك الليلة عنده وكنت أشعر أنني بصحة جيدة حتى نمت بشكل طبيعي ولكن وفي أثناء نومي و تحديداً في وقت متأخر من الليل أستيقظت فجأه بسبب ضيق تنفسي ، تجاهلته وذهبت للعمل في الصباح ولكن لم أستطع الأستمرار فقررت الذهاب إلى المركز الطبي للمراجعة ، كان الألم غريب بالنسبة لي لأنه يحدث لأول مرة لي ، فهو شعور بضيق تنفسي مع ألم بالقلب ،  كان الطبيب جدياً معي بتحليلاته ، فهو لم يتهاون بأعطائي أجازة طبية لمدة يومين والتي قضيت معظمها في أروقة المستشفيات التي كنت أتنقل بينها لأسمع أراءهم حولها ، فمن عادتي عدم الإتكال على كلام طبيب واحد ، تعلمت في حياتي أن أزور أكثر من طبيب ، وأجمع أكثر من رأي ، كان الأتفاق بينهم بإن المسبب هو الشد العضلي بسبب الهواء البارد ، كل ما يحتاجه جسدي هو مراهم طبية لأدهن بها صدري وظهري حتى ترتخي العضلات ولا تشد على صدري وقلبي ..

أستمررت لأسبوعين ولازالت آلام العضلات معي ، فظهري يؤلمني ولا يجعلني مرتاحاً طوال يومي ، وهو ماجعلني قليل الحركة وأتوقف عن الرياضة خلال الأسبوعين ، أشعر بإنزعاج من داخلي ، فعدت للطبيب لإسراع عملية المشافاه ، ولكن كان يهز رأسه بإنه لا يعرف شيء يساعدني إلا المراهم التي كان يعطينياها ولا يملك حل آخر ، أما الأصدقاء يوزعون علي حلول وأفكار لا تطري على بال ، أحدهم يقول ضع ملعقة ساخنة لعدة ثواني تلامس باطن قدمي حتى ترتخي عضلات جسدك كاملة ، وأخر يقول عليك بالذهاب إلى شخص معالج في منزله لينظر لحالك ، ويردف بكلامه أنه ليس بطبيب ولكن يفهم عمله .. لم أقتنع أبداً بما يقولونه ..

قبل عدة سنوات أخذت دورة إدارية أسمها ( تحليل جذور المشكلات أو ما يسمى بـ Root cause Analysis ) ونستخدمها بشكل مستمر بالعمل من أجل التحقق من أي أسباب لأي مشكلة تواجهنا في العمل وذلك لمنعها من الحدوث مرة أخرى ..

 

root-cause-analysis-1-638
المشكلة قد تبدو ظاهرة ولكن الأسباب تكون مخفية بالجذور

 

لذلك وضعت نقاط وبدأت بها :

1- الطعام / لم يتغير ولم أقم بأي عمل حمية أو تغيير في مكونات طعامي .. لذلك قمت بحذف السبب هذا ..

2- التكيبف / فكرت كثيراً حول هذه التهمة ، ووجدت أنها غير واقعية والسبب أنني قبلها بأيام كنت في جبال الألب و بدرجة حرارة تصل إلى الثانية عشرة تحت الصفر ، ولم يهتز جسدي ألماً وقتها ، بل على الرغم من الفنادق التي كنت أتنقل بينها والمكيفات بها لم أواجه مشكلة العضلات هذه .. بالإضافة إلى أن مكيف غرفة نومي هي بغرفة الملابس وهي التي تعمل أثناء اليوم ، وأدع باب الغرفة مفتوحاً ليدخل الهواء البارد بشكل لطيف ، فهي لا تنفث هواءها البارد بشكل مباشر لأن موقعها بغرفة الملابس ، والشيء الغريب الذي حدث لي أنني أصبحت أشعر بجسدي طوال اليوم بالبرد بسبب الشد العضلي في ظهري بالرغم أن مكيفات منزلي كاملة مغلقة لأكثر من أسبوعين ولكن لايوجد تحسن أبداً ، فدرجة الحرارة لدي بالمنزل 28 درجة مئوية وهو مايعتبر جو حاراً ولكن رغم ذلك أشعر بالبرد ، لذلك فإن فكرة المكيف كانت مستبعده لدي كمسبب للمشكلة .. وتناسيت كلام الطبيب وإتهامه للمكيف ، فهو بريء !

3- أتجهت بأنظاري إلى مرتبة سريري ، قمت برفع الغطاء عنه وتجريده من أي قطعة عليه ، وأصبحت أراه بشكل مجرد ، ووجدت أيضاً أن مرتبة السرير فيها ميلان بجهة اليسار المقاربة للباب ، ووجدت أن المرتبه بشكل غير ملحوظ من أول وهله يوجد بها مناطق منخفضه ومناطق مرتفعه والسبب هو رداءة جودة مرتبة السرير وعدم أنتباهي لهذه النقطة .. لذلك قمت بشكل مسارع بالتوقف عن النوم على السرير والنوم على الأريكة في غرفة المعيشة ولاحظت تحسن بالليلتين السابقة منذ بدأت بالنوم على الأريكة رغم أني أكملت أسبوعين مع الأدوية الكيميائية دون تحسن ، كان التحسن الوحيد الذي شعرته عندما غيرت مكان نومي  ، فقلت لنفسي الإنسان طبيب نفسه !

side-sleeping-mattress

 

لست متأكداً أن هذا هو الحل الوحيد لمشكلتي ولكن شعرت بتغيير ملحوظ في نومي من مجرد عدم نومي على السرير ، فهي الرابط الوحيد لمشكلتي الذي وجدته حتى الأن ، فتغيير المرتبة هو أفضل من تناول عقاقير طبية لها أضرار جانبية ، أو الذهاب لمعالجين غير مرخصين بالعمل ،  فالبحث عن جذور المشكلات هي من أفضل الأساليب الإدارية التي تعلمتها في حياتي ، فالآن ربما سعر المرتبة يكون مبالغاً في نظر الأخرين ولكنه ربما يمنعني من الذهاب إلى طبيب ويقيني من تكاليف لاحقة قد تكون باهضة لمعالجة المشكلة الناتجة عن عدم تغييري لمرتبة السرير ، ربما تصل بالمشكلة إلى أحتياجي إلى العملية الجراحية ، لهذا نحتاج دائماً إلى النظر بهذا المنطق في البحث عن جذور المشكلات حتى نتوقى مضاعفات أكبر وخسائر أكبر ، فأي مشكلة تحدث لك فهي لها مسبب ، ولتكتشف السبب تحتاج أن تمضي بعض من الوقت وأن تجمع المعلومات في التحليل والبحث بنفسك عن أسباب المشكلة ، وهذا يسري على كل مشاكل الحياة ، ونتيجة لهذا قمت اليوم بالمرور على متاجر المراتب المعروفة وبعد قيامي بعدة تجارب بين مراتب كثيرة قررت من بينها شراء مرتبة من شركة أمريكية كنت قد قد جربتها سابقاً وأعجبتني في إحدى الفنادق ، ولأنني جربتها بالفندق وأعجبتني ، فتشجعت وأقتنعت في سبيل أختيارها ، لهذا طلبت من البائع نفس الموديل أو الأحدث منه وسيتم إيصالها إلى منزلي خلال الإيام القادمة ، وحتى وصولها سيكون نومي على الأريكة حتى تذهب آلام من جسدي ، فأنا أفتقد الحركة ، وأشتقت لممارسة الرياضة ، فهي التي تعدل مزاجي المتعكر ..

 

الجاهلية الحديثة

ge54rgteqwazdcvs43w

اليوم الخميس وقبل أن أغادر مكتبي قررت التوقف لأودع زميلي قبل أن تبدأ إجازة نهاية الأسبوع ، كان بجواره يجلس زميل لنا ألماني يعمل في قسم آخر ، أحتكاكي يكاد يكون معاه قليلاً ، حتى أني أسمه لا أعرفه ، ولكن فجأه ما أن دلفت لأبحث عن زميلي الذي يبدو أنه غادر مبكراً ، بدأ بالكلام بقوله أن المكيف متعطل بمكتبه لذلك جاء هنا ، قلت له لا عليك ، هذه تجربة عليك أن تقوم بها بالسعودية بأن تشعر بالحر ! ، ضحك وقال أصولي كازخستانية وأعلم جيداً معنى الحر عندما أزور جدتي في كازخستان ، بدأنا بتلقائية غريبة بسلسة متتالية من الأحاديث الماتعة والمناقشات الساخنة التي أمتدت لساعة التي أدهشني فيها بثقافته الكبيرة ، في هذا الوقت من النادر أن ألتقي بأشخاص يملكون معرفة واسعة بمواضيع مختلفة ، وكان مكمن الدهشة لدي أنه يعرف ثلاث لغات بشكل جيّد وهي الألمانية والروسية و الأنجليزية و بدأ تعلم اللغة العربية كلغة رابعة يرغب بإجادتها ..

بدأ عقلي يفكر بمجتمعنا ، ونسبة المثقفون فيه ، أو لنقل على الأقل أصحاب الأطلاع المعرفي الواسع ، أملك العشرات من الأصدقاء و أعرف المئات الذين جالستهم خلال السنوات الماضية ولكن من النادر أن يحدث أن أتشوّق الحديث مع أحدهم إلا مع قلة قليلة أكاد أعدها ، والسبب أن الكثير منهم يبدو خاوياً ، لا أجد عند حديثي معه إلا صلصلة فخار ! ، سعة الأدراك المعرفي لديه تكون ضعيفة ، حججه واهيه ، لا يبدو ماتعاً بحديثه بالنسبة لي ، قليل منهم من يشدني لأجلس معه لوقت أكثر ، مرات كثيرة أجد نفسي أخرج أوراق ” لعبة البلوت ” وأقول من يرغب باللعب ؟

قيّل قبل سنوات أن اليابان أحتفلت بموت أخر شخص ” أميّ ” أي أنه لا يعرف القراءة والكتابة بمفهومنا ، ولكن في الحقيقة كان لا يعرف كيفية أستخدام الحاسوب ، هكذا تم تعريف كلمة الأميّة في اليابان ، أما الآن ، أجزم أن الأمية بمفهومها الجديد ينطبق على المعرفة والثقافة في زمن أصبح من السهل الوصول إلى المعلومة ، حيث الآن أجد الكثير من يتمنعّون عن التعلم !

أعود إلى صديقنا الألماني في أول تدوينتي ، قال أنه بدأ بتعلم اللغة العربية قبل خمس سنوات عندما بدأ يسمع بأمكانية قدوم المهاجرين السوريين إلى ألمانيا ، يقول قررت تعلم اللغة العربية حتى قبل أن يصل أول فوج من المهاجريين السوريين حتى أكون مستعداً لمساعدتهم وتلبية شؤون أحتياجاتهم ، المفارق العجيبه أنه يعمل مع الكنيسة في هذا الشأن وقد سمع بالأخبار عن طريقهم ، مالذي يدفعه لتعلم لغة جديدة بمجرد معرفته بقدوم المهاجرين العرب ، كم واحد منا أحتاج أن يتعلم شيء من أجل شخص أخر ؟ بهدف تطوعي ! ، كان هذا سؤالي الذي رددته لنفسي خلال هذا اليوم ، مالذي يمنع العربي أن يتعلم لأجل نفسه أولاً ، قبل أن يصل للتعلم من أجل الأخرين ؟

ففي آحدى الليالي الصيفية الحارة التي جمعتني مع عدد الأصدقاء ممن يحملون شرف مهنة التعليم ، طرحت لهم هذه الفكرة عن الجاهلية الحديثة ، وطرحت لهم مثالاً بأبسط حدود المعرفة وهي أن الكثير من أفراد المجتمع يجهل حتى ماهي الأركان الخمسة للأسلام ، فقلت بصوت عالٍ ” أن بعض أشخاص المجتمع لا يعرفون ماهي الأركان الخمسة للأسلام ” ، قاطعتني مداخلة أحد المعلمين حيث أعترف بعدم معرفته بالأركان الخمسة للأسلام ، شدهّت عينايا حينها ! ، اللهم أجرنا في مصيبتنا فأنا لم أسأله عن أركان الأيمان الستة ، هذا ما قلتها في نفسي ، يجب أن يكون هناك حد أدنى للمعرفة الحياتية للفرد ..

لم يكن تفكيري حول تدني وتردي ثقافة الفرد العربي هي لحظة أنكشاف جديدة لدي ، بل إثر سنوات طويلة من المعايشه في العمل و الشارع ، حيث لم يقتصر هذا القصور المعرفي على فئة معينة بالمجتمع ، سواء متعلمة أم غير متعلمة ، بل من لا يعرف القراءة والكتابة جيداً ربما يملك مقدار كبير من الأطلاع المعرفي والحياتي لا يملك مقداره من أصحاب الشهادات العلمية الذين يتفاخرون بأبحاثهم التي قدموها قبل سنوات طويلة ، فواقع العلم لا يقتصر على ما تأخذه من أجل الحصول على الشهادة ولحظة نشوة الإنجاز و التوقف عندها وكأنك عرفت العالم ولا حاجة لمزيد من التقدم ، فعجلة التعلم لا تتوقف ، والتقدم من أسمه تقدم ، فهو لا يتوقف ، والمراجعة الدؤوبة هي أحتياج ضروري للحفاظ على مكتسباتك العلمية والمعرفية حتى لا تنساها ، لازلت أحفظ نظريات فيزيائية درستها أيام الثانوية ، ولازلت بين الحين والأخر أراجع قواعد الإملاء ، فالمراجعة شيء ضروري للتأكيد على المعلومة والحفاظ عليها ، قال لي أحد الأصدقاء أن دكتور جامعة عريقة لدينا بالسعودية ويدرسهم مادة لتخصص علمي ، يقول أن المنهج عمره أكثر من أربعين عاماً ، ومؤلفه هو نفس الدكتور السبعيني ، أيعقل أربعون عاماً لم يطرأ تجديد في المنهج ولم يتم أكتشاف أي شيء ليتم إضافته للمنهج ؟ فالدكتور يدرسهم منهج علمي نادر هو نفسه من أربعون عاماً لم يتغير ، وهذا حال الكثير بالمجتمع عندما يتعطّل فجأه عن مسيرة مواصلة التعلم والتجديد و التوسع المعرفي ، يتحول من كونه أنسان يتعلم ويتأمل إلى أنسان يأكل فقط ويحتفظ ببعض الآثار في رأسه و يحيطها بسور عالِ ، خوفاً عليها !

لم سبتمبر ؟

سألتني سيدتي ، لماذا أخترت السفر في شهر سبتمبر ؟

1-DSC042062.jpg

وحين أوضب أغراض السفر قبل توجهي للمطار من أجل العودة للوطن ، سألتها لماذا حذاؤك هنا ؟ هزت كتفها و أجابت سأتركه ، قديم ولم أعد بحاجته عند عودتي ، تداركت أحساس عميق ، مشاعر لا يكاد يمسكها إلا قلب سبتمبري ، أخرجت الكميره من شنطة ظهري الصغيرة لألتقط صورة توديعية لها ، أحفظ فيها إجابة سؤالها ، لماذا سبتمبر ؟

نغني ونبكي ، عندما يحين الرحيل ، نفكر بأوراق الذكريات المتساقطة من الأشجار لكي تعلن وداع غير مكتوب ، أوراق خالية من أي أحرف ، صفراء يابسة ، صماء بكماء ، ورغم ذلك تجرنا لنتذكر الماضي و وأصوات زخات الأمطار ، وكيف نسينا الربيع والخضرة المزهرة ، لذلك تشعر بالحنين الآتي من الأعماق ، وتبدأ تتنفس بقوة لتستشنق ما تبقى من هواء الفراق !

خرجت للعالم في سبتمبر من رحم أمي المبارك و تزوجت نصفي المشرق في سبتمبر ، أيكفي جواب للسؤال ؟ ، لا زلت أتذكر في أول مرة سافرنا فيها أنا وهي كانت أيضاً في سبتمبر ، و لم أنسى تلك اللحظات التي أهتزيتي فيها عند شاطيء البحر يوم عاهدتك بحمايتك من ديناميت الحياة ! ، وأني أحيطك بداخلي من حياة التوحش البرية ، وأني أجعلك زارعة الورد الوحيدة بين أضلعي ، فقد كان سبب خوفك الأول هو من نزول قدميك في أمواج البحر العاتية ، قلت حينها  أنا معك لأحميك فلا تخافي وأغمسي أقدامك بالبحر ، هنا سبتمبر الذي لا أنساه ، وأحبه رغم أوراقه المتساقطة التي تملأ الشوارع ، وذاته الشهر رأيت أقدامك أكثر وردية ، فحبك للجمال جعل أزياءك و حذائك لا يصلح للمشي الطويل ، فأول ما رأيت أقدامك مورّدة قررت صباح اليوم التالي بالتوجه لأقرب متجر لكي أشتري لكِ حذاء يناسب قدميك للمشي ، كنت أخبرك حينها بإن حذاءك هذا لا يصلح للسفر ، وأني سوف أشتري لك حذاء يناسب قدميك ، كان هو أول شيء نشتريه سوياً ، كنتي تتقاطرين خجلاً وأنتي تريني كيف أختار الحذاء وأدخله في قدمك و أرى كيف شكله ، وأنتي تهزين رأسكِ خجله ، ها أنا أنظر للحذاء وألتقط صورة وداعية له لأحتفظ بها بداخل صندوق ذكرياتي ، هنا سبتمبر أشتريته من خارج الوطن ، وهنا سبتمبر أدعه يتساقط مرة أخرى في خارج الوطن ، ولحظات وداع أحب أمسكها قبل أن تفلت .. لذلك لا تسأليني .. لم سبتمبر ؟

عودة للروتين ، ورسائل

1-DSC04209
صورة التقطتها قبل ركوبنا للطائرة والعودة

عدت قبل أيام قليلة إلى منزلي وبدأ معها روتيني الأعتيادي بالحياة ، ولكن أول ما قمت به هو التعرف على كل ما تغير خلال غيابي أو نسيته لمدة شهر من السفر ، كانت الفترة طويلة و مثالية تماماً لأعود حيوياً كما أرغب ، يملؤني حماسة للعمل ، ولقاء الأصدقاء ، وعودة روتيني الذي أفتقدته خلال شهر أستثنائي كان جسدي فيها مبعثراً .. ومعه عقلي !

أعتذر بما يليق لكل أحد منكم قد قام بمراسلتي وتأخرت بالأجابة عليه خلال الأسابيع القليلة الماضية ، حرصت اليوم بمحاولة الأجابة على كل رسالة جائتني ، لم أكن أعتقد أن وقتي سيكون ضيق خلال هذه السفرة ، ولم أعلم أن جدولها سيكون حافل بهذا القدر المدهش ، فبينما كنت بالطريق إلى المطار وأرجاع السيارة المستأجرة للمكتب كان عداد المسافة المقطوعة يشير إلى أكثر من أربعة ألاف كيلو متر ، وهي المسافة المساوية التي فرضاً لو قدت بها السيارة من صنعاء باليمن إلى أن أصل إلى أسطنبول في تركيا  ! ، ذكرت هذا حتى يعذرني من تأخرت عليه بالرد ..

تبقى للرسائل أثر بالأنسان ، مهما كابر المتكبر و أدعى الكاذب ، فهي حتماً تصيب جزء منه بداخله ” غائر ” ، يشعر به لحظة قراءتها ويبقى أحساسها معه يحمله بداخله طويلاً ، لا أعلم لماذا هي أقوى من الكلمات التي تقال مباشرة إلى الأذن ، يا ترى ما سر الكتابة بوصولها من خلال القراءة إلى نقطة أبعد بداخلنا ، لطالما تسائلت.

 

رسالة أولى عبر الواتس أب وصلتني ، أثرت بي كثيراً اليوم :

1-Capture+_2017-09-27-10-31-01 (2)

 

ورسالة أخرى وصلتني اليوم عبر صندوق حسابي بموقع التغريدات المصغرة ” تويتر” :

 

1-Capture+_2017-09-27-23-18-53-01


الشكر والتقدير لأصحاب الرسائل اللطيفة ، لكم المحبة ! 💗

هايكنج أم رحلة خلوية !

كنت أفكر بمفردة هايكنج أثناء ممارستي لها اليوم ، مالمرادف لها عربياً ؟ ماهي أقرب كلمة تناسبها ، وأثناء تفكيري ، تذكرت أول هايكنج قمت به أثناء المرحلة المتوسطة بالمدرسة ، كنت حينها مشتركاً في فرقة الكشافة المدرسية وكان لدينا تحدي على مستوى مدارس المدينة بالهايكنج ولكن كانوا يسمونها “رحلة خلوية” حاولت أن أستخدمها ولكنني فشلت في أقناع نفسي أن لها ذات المعنى لكلمة هايكنج ، عندما عدت لغرفتي في الفندق ، أحمد النمر وفي مدونته عن الهايكنج قد وجدته أيضاً أحتار في أيجاد مرادفاً عربياً لها.

اليوم ألتقطت هذه الصورة وأنا وهي على سفح الجبل وتحتنا البحر ، كان يوم ممتعاً رغم الرياح التي هبت اليوم على غير عادة الأيام السابقة ، ومع هذا لم يمنعنا من ممارسة الهايكنج بجبال مارسيليا وبين أشجار الصنوبر المزهرة ، أصبنا بحالة أفتتان بالهايكنج في هذه السفرة التي قررنا أن نجربها لأول مرة ، أعطت للسفر جو آخر من السكينة و الهدوء قد أفتقدناه بين دهاليز المدن.

 

DSC02988-1024x576-01-01-compressor

بكِ هيلين

DSC01317-01-1024x576

ها نحن في مرسيليا كما وعدتك تماماَ ، تحت أوراق أشجار السنديان المتساقطة بسبب الخريف ، فاليوم أتوّج بك في ساحات قلبي الذي ينبض لعامه الثلاث والثلاثون ، هنا القمر وهنا القلب ، وهنا أكمل عامي الثالث والثلاثون ولا أجد حباً يتولج في صدري ويغرقه دفئاً غير حبك ، وأرى بعيني سنيني تتساقط في طرقات شعرك الأحمر الغجري ، ولا أعرف شمساً تشرق للسنة الثالثة و الثلاثون على سطح قمري الدري غيرك يا أيتها الشمس المتفجرة بالحب ، هنا أتكلم عنك بلا هيبة الأمبراطور ، وهنا أشعر بين كفيكِ كطفل صغير يشفق على نفسه من الضياع !


*ألتقطت الصورة بينما كنا نمشي كعادتنا.

*اليوم يكتمل عامي الثالث والثلاثون

من ظلال برج إيفل

كل عام و أنتم بخير و عافية ، أما كلمة عافية فأني بشدة أحاول التوقف عن قولها هنا في باريس بسبب أن أكبر الجاليات العربية الموجودة هي المغربية ، فالكلمة تعني النار و أحياناً أخرى جهنم حسب قاموس المغرب والسبب بكون الكلمة بالأمازيغية عافيت وهي تعني النار لديهم وقد دخلت الى اللهجة المغربية و أختلطت بها ، أجارنا الله و أياكم من النار ..

ألتقطت الصورة السابقة من المسجد الكبير في باريس وكانت الخطبة باللغتين العربية و الفرنسية ، حيث يقرأ أسطر باللغة الفرنسية و يكررها من جديد بالعربية ، جميل ما رأيته من تنوع عرقي بداخل المسجد و الحفاوة بين المصلين وتبادل التهاني بين الغرباء ، لدي أحاديث كثيرة أود أن أكتبها و وقتي يكاد يضيق بأبسط الأشياء وهي الكتابة بالمدونة ، ها أنا أكتب ورأسي على المخده فهو يحتاج للراحة والنوم حتى أكمل رحلتي غداً إلى مدينة ستراسبورغ بعد أن قضيت هنا ثلاثة أيام في باريس خلالها تعمقت كثيراً بحضارتها ..

متى ما سنحت لي الفرصة خلال الأيام القادمة سأقفز إلى المدونة و أكتب ..

من الأمور المدهشة التي حدثت لي اليوم والذي تفائلت كثيراً بسببه ، هو خروج الطبعة النهائية للكتاب بعد إنتهاء مرحلة المراجعة و الأخراج وتصميم الغلاف ، قام السيد سمير شبارو اليوم بأخباري وأنا هنا بباريس وطلب مني المراجعة النهائية ، قرأت الكتاب بشكل سريع و أطلعت على جميع النقاط التي لم تخرج بشكل جيّد بالنسخة السابقة و أرسلت له موافقتي بالطباعة ..

الغلاف المتفق عليه مع دار العربية للعلوم ناشرون من تصميم علي القهوجي.

أنتم دائماً أول من أتحدث أليهم وأخبرهم.❤

يوميات أغسطس الحارة

لست معتاداً على كتابة اليوميات خارج دفاتري فأنطوائتي ترغمني على بقاء أحداث أيامي أسيرة بداخلي ، بالرغم أنني مدفوع دائماً بالأعجاب عندما أقرأ يوميات الأخرين من المدونين ، وتأتيني لحظات رغبة شديدة بالكتابة لليوميات ، فقد قمت بمحاولات كثيرة للكتابة عن يومياتي ولكنها تجهض كلما أنتصفت الكلام ، فأنا فاشل بالكتابة عن نفسي بشكل واضح ، أحب العتمّة و أكره الضوء على ما يبدو !


فالأن أنا كل ما أكتبه سوى محاولة ولكني كعادتي أحب أن أكتب بشكل مختلف ، لذلك لا تأخذوها بشكل جدي ، هذه مجرد تجربة كتابة ليوميات هذا الشهر..

wp-image-957695235

الأسبوع الماضي كنت على ميعاد بلا سابق أنذار حيث ألتقيت بأبن عمي ورفيق عمري عبدالمحسن بعد عودته من أمريكا قبل أشهر ، كنا ألتقينا بمناسبات كثيرة قبلها ولقاءات خلال أيام أسبوع العيد في جدة ، ولكن كل تلك اللقاءات مملوءة بالأصدقاء و الرفقاء ، فلم نجلس لوحدنا أبداً منذ أكثر من أربع سنوات قد أنقطع خلالها بدراسته في أمريكا ، ولكن تفاجأت بأتصاله بي ليخبرني أنه في البحرين من أجل عمل خاص به ويود لقائي بما أنني قريب ، أنتهزت الفرصة للقاءه ورتبنا لقاءنا يوم الجمعة بمقهى ليلو بالبحرين وبعدها أنتقلنا لمقهى باول و حتى أن ختمنا سهرتنا في مطعم تريدر فيكس في الريتزكارلتون ، لم نترك موضوعاً لم نتحدث فيه لوحدنا ، أسترجعنا شجون اللحظات بيننا ، غياب أربع سنوات لم تكن بسيطة لكل منا ، كل منا يملك الكثير حتى يقوله ، تمنيت بقاءه أكثر ليوم أخر ولكن كان عليه العودة سريعاً لمدينة جدة ، ولكن كنا على وعد بيننا من أجل تكرير هذه اللقاءات ..

————————————–

لطالما تلخبطت مشاعري خصوصاً ما أثار أستغرابي من مديري الأمريكي أنه مر بجانبي لأكثر من مره ولم يحييني كعادته ، كتب بعدها برسالة بعثها لنا بعد قضاءنا لمدة من ساعات العمل ، ” أنه يحتضر ” ، حيث لم كنت أعلم أن أبنه الذي يشابه عمري تماماً ، قد أدخل العناية المركزة بمرض مفاجئ ونادر حدوثه ، بقيت طوال يومي متعجباً من قوته وجلادة صبره ، وكيف له أن يأتي للعمل ورحلته ليلاً إلى أمريكا لكي يزوره ويطمئن عليه ؟ كيف يقوى صدره بحمل شيء ثقيل ؟ أعلم أنه ليس ميت من المشاعر ، رغم أنه يبدو كذلك لمن لا يعرفه .. لكن ما أقواه ! هكذا ما كنت أقوله كل ما أتذكره ..

———————————–

شاهدت مسلسل prison break بموسمه الجديد والذي أعجبني بسرعة الأحداث وترتيب الأفكار ، منذ فترة طويلة لم أقم بمشاهدة مسلسل كامل ، ربما أن السبب لإن حلقاته تسع فقط ..

———————————-

أستلمت حلال الأسبوع الماضي النسخة النهائية لكتابي “عقل و قلب” من أجل مراجعتها ، ولازالت بحوزتي حتى الأن لم أرسلها إلى الدار ..

———————————–

اليوم ستبدأ أجازتي السنوية ، أشعر بالتعب و الأنهاك ، فأخر أجازة أخذتها كانت بشهر يناير الماضي ، لأول مره أستمر بالعمل بشكل متواصل لمدة سبعة أشهر من دون أجازة ، قمت بتعديل أجازتي هذه المرة التي أحترت كثيراً في وجهتي القادمة ، كنت قد أخترت في تدوينتي السابقة ( أخيراً أتنفس ! هو عقل و قلب ! ) الذهاب إلى فرنسا و أسبانيا ولكن بعد قيامي بقراءة مستفيضة قمت بالتراجع عن فكرة الذهاب إلى أسبانيا لعدة أسباب ، منها الجو الحار في شهر أغسطس و سبتمبر ، والسبب الأخر هي تحتاج أجازة طويلة لكي تزور مدنها الكثيرة ، لذلك أرجأت فكرة الذهاب لها ، قررت الذهاب إلى فرنسا وألمانيا و سويسرا و أيطاليا ، والسبب أن مدنها متقاربة بجانب بعض ، وسأكتب تدوينة عنها بأذن الله ، حيث سأقضي خمس وعشرون يوماً فيها مع نصفي الأخر ، ومن يريد أن يقرأ عن تدويناتي السابقة يجدها بقسم السفر.

——————————

أول مره تمر علي مثل هذه الحالة عند القراءة للكتب ، بدأت بقراءة رواية ” موت صغير ” للكاتب محمد علوان بعد ألحاح أحد الأصدقاء وتوقفت عن أكمالها رغم أجتيازي لمنتصف الكتاب ، وهذه الحالة أستمرت معي لأكثر من عشرة كتب ، كل منها لم أجتاز نصفه حتى أقرر التوقف ومن ثم تغييره ، لأول مره تصيبني هذه الحالة ! ، يبدو أن هناك علاقة لأغسطس الحار مع أكمال الكتب ..

————————————–

هذه محاولة مني بكتابة اليوميات وربما أحاول بشكل أكثر خلال الأشهر القادمة.

إيمان منيع

15112812541_0934102743_b

متى تدرك الكلمات وأنت تقرأها ؟ ومتى يتموضع الأحساس بداخلك وأنت تمر بين الأسطر ؟ أسئلة الفكر التي طالما ملأتني بلا لحظة فراغ لأعيشها مع ذاتي ، يجتاحني تيار من التصنيف للأشياء التي من حولي ، هذا حلال و هذا حرام وهذا لا أتجرأ حتى بالأقتراب منه ، و كأنني مطارد بسياط جبروت الوسواس ، هنا تهبط أول فكرة ، من يكفّر بالجنّ ؟

منذ أول لحظة بدأت فيها بالتنفس ، شعرت حينها بالخوف ، وأطلقت أول صيحاتي عند خروجي و ظللت مستمراً بنحيبي حتى وصولي إلى مشارف الثلاثين و أدركت لحظتها الشيب بين وجنتي ، حينها بدأت بالصمت ، وكأن ذرى الرماد يسقط من رأسي ، بياض ليس ببياض الثلج ، بل رماد بعد حرائق عمّرت سنين فوق رأسي ، الآن وقد تكلمت ، الأن وقد كتبت ، لا أريد السماع ، لا أريد الضجيج ، أريد الأخير ، أريد إيمان منيع يأسر قلبي بين يديه!

خواطر عن المشي بالأقدام

بركان الإبداع و الخيال و التفكير يتزلزل عند حافة القمر و الليل الأسود الحالك و السيّر بالأقدام !

o87889898989780ruf9w90wr.png

لا يهمني أين أسير أو إلى أين أسير بأقدامي ، ولكن المهم لدي أن أسير و أن لا أتوقف ، مسألة التوقف عندي من المسائل التي خلاف فيها عندي ببطلان مجرد التفكير فيها ، بداية الحب كانت لحظة تعارف بيني و بين روتين المشي في عام 2006 ، قبل أحدى عشر سنة ، وتحديداً في أول عام لي كان بالوظيفة ، فالوظيفة كانت مصدر الروتين الذي بسببه رغبت في وضع روتين لي يخففني من الضغوط ، العزلة كانت لدي مطلب ملح بعد ساعات طويلة أقضيها في جو صاخب بالعمل ، لذلك كان سبب المشي الليلي هو حاجتي للعزلة ، فأروقة الدراسة كانت لا تحتم علي الأحتكاك مع الأخرين ، لذلك كنت أعيش في كنف بسيط من العزلة ولكني تفاجأت في أول سنه بالعمل بدلوفي إلى عالم صاخب لا مفر فيه من الأحتكاك مع الأخرين ، لذلك قررت العزلة بالمشي ليلياً ، لعلي أخفف فيه من الضوء و الصخب.

ربما كانت هي مشكلتي العظمى حينها ، و أجزم أنها مشكلة العرب جميعاً ، فأسلوب حياتنا الحالي لا يدفعك و لا يساعدك لكي تمشي ، لهذا فأنا كنت أنسان لا أمشي أبداً ! ، رغم أن وزني ولله الحمد لم يكن زائداً بشكل مبالغ ، بل الكثير كان يقول لي أنت معقد ، ولكن كنت خارج المعدل الطبيعي ب 6 كيلو جرامات ، ولم تكن هذه المشكلة لدي حينها ، ولكن كنت أريد المشي من أجل صحتي ، حيث لدي هوس بأمور الصحة وكان المشي أول خطواتي في تغيير عادات قد أكتستبها بجهلاً مني ورغماً عني بسبب مجتمع للأسف ملوث بالأفكار والعادات الخاطئة و المضرة لصحة الأنسان وأولها : فقد كان بالسابق من يمشي في الشارع يعتبرونه مجنوناً أو طفلاً ، لا يخرج عن هذه الحالتين في نظر المجتمع ، لذلك عندما كنت أسير كان هناك من السيارات من يتوقف بجانبي حيث يعتقد أنني لا أملك سيارة و يسألني إذا كنت أحتاج إلى أن يوصلني إلى المكان المطلوب ، كنت حينها أرى النظرات عندما أمشي في ذلك الوقت ، كنت عندما أطلب من بعض كبار السن والشباب أن يمشي يقول صعبة أن يراني من بالحي ، لذلك كانت أول التحديات أنني لم أجد من يشجعني ويمشي معي ، وذات الشيء حدث معي عند بداياتي بقيادة الدراجة في عام 2013 ميلادي ” ربما لا يعلم الكثير من هم يقودون الدراجات الأن بتفاخر ويخرجون بالأعلام الجديد أن أول مجموعة دراجات رأيتها في عام 2011 ميلادي كان قائدها سعودي ولكن أعضاءها من الجنسية الفلبينية ، لم يجد محب الدراجات أي أحد من السعوديين من يوافقه في شراء الدراجة والخروج معه “

أولاً التركيز /

وحتى أنجح في المهمة التي وضعتها لنفسي لذلك فقد قررت أن أدوّن لنفسي و بشكل يومي في صفحات الرسائل بهاتف جوالي النوكيا ” قبل أن تداهمنا تلك الفترة الهواتف الذكية ” كل ملاحظاتي التي كنت أكتبها كانت حول المشي ، حيث كنت أحاول أن أضع هدفاً أحاول تحقيقه كل أسبوع ، لهذا فقد وضعت جدول أسبوعي للمشي ، كان وقتها لا يوجد ساعة ذكية تحسب خطواتي ولا أعلم كم مشيت ، كنت أعد كم خطوة مشيت عبر عدد عمدان الإنارة التي أمر بجانبها ، أسجل في صندوق الرسائل في هاتفي ، سأمشي خمسة عشر عمود إنارة لهذا الأسبوع ، وكنت أسجل الوقت الذي أبدأه والوقت الذي أنتهيه ، كان عقلي حينها يعمل وكأنه سوار معصم ذكي ، فأجد نفسي لا أحمل سماعة أذن ولا أفكر طوال مدة المشي سوى كم عدد إنارة مررت بجانبها وكم دقيقة أستغرقت حتى أتجاوزها وكنت أراقب خطواتي بتركيز شديد ، أشعر بتسارعها وخفتها مع الأيام بشكل تدريجي ، فأحساس بالملاحظة الداخلي كان يجعلني أركز أكثر و أكثر ، وأستشعر مدى التطور الذي أقوم به ، كانت ساقيا حرفياً خاليه من العضلات ! ، لم تعتد أقدامي على المشي منذ أيام الطفولة ، فقد غزتنا الحضارة و عادات المجتمع الحديثة ، لذلك كنت وكأني أشعر بنموها حول ساقي وكأنها تلفها لأول مرة ..

وعند إنتهائي أحرص على تسجيل كل ماقمت به ، وحين بداية اليوم التالي كنت أفتح هاتفي وأذهب إلى صندوق الرسائل وأذهب إلى المسودات وأقرأ ماذا كتبت بالأمس ، وهكذا كنت أرقب نفسي بكثب وكأني بمعسكر تدريبي ، ولكن على نطاق شخصي .. لم أكن سأتزوج ،لا لم يكن سيحدث شيء لي ، كل ما كنت أقوم به هو فعل داخلي يدفعني إلى الأتجاه الصحيح ، لم أحتاج إلى أي سبب ، فقد كان هو الفعل الصحيح لي أنا ! ، وليس لغيري ، كان هذا كافياً ليكون السبب لدي.

ثانياً التواصل /

كنت واقعياً ، فأول 500 متر مشيتها تعبت خلالها وأستغرقت مني وقتاً كثيراً لأنهيها ، عدت إلى سيارتي وسجلت ملاحظة أولى ” لم أدرك أنني أحتاج إلى المشي ، فأنا مقتنع الآن و أحتاجه بشدة أكثر من أي وقت مضي ، فأنا الآن لست أنساناً ” ، كانت كارثة ما يشعر به جسدي بكمية الأنهاك هذه وأنا لم أمشي سوى هذه المسافة البسيطة من الأمتار ، عرفت حينها أنني ظلمته بشدة بتجاهلي أياه كل تلك الفترة الطويلة الماضية من حياتي ، وكأني للمرة الأولى التي بدأت أدرك فيها هذه الأمانه الموكلة على عاتقي ، هذه الأمانه التي لا يمكنها التحدث لي بشكل مباشر إلا عبر الأمراض و الألام الجسدية ، فهي لن تخبرك أنها تحتاج أن تتحرك وأن تسير و أن تنطلق ..

ثالثاً التطوير /

فائدة وضع الأهداف كبيرة بعملها في جدول المشي لدي ، كنت أسير لمدة خمسمئة متر في أول أسبوع ، ثاني أسبوع زدت النصف إلى 750 متر ، وبثالث أسبوع زدت إلى كيلو متر ، وخلال ثلاث أشهر كنت قد وصلت إلى سبعة كيلو مترات من المشي المتواصل ، بعدها قررت في السرعة بدلاً من المشي ، لذلك بدأت بشكل تدريجي بالتنويع بين المشي السريع والمشي البطيء ، وكنت أسجل ملاحظاتي بشكل يومي ، كم عمود إنارة مشيت بشكل سريع وكم عمود إنارة بشكل بطيء مشيت ، ألم أقل لكم لم أكن أملك في ذلك الوقت إمكانيات هذا العصر ، ولكن كنت أتابع تطويري بشكل مستمر وبألتزام تام ، وكانت ملاحظاتي اليومية التي أكتبها هي من تعطيني دافع حتى أستمر ليوم الغد ، لذلك كنت أسير بخطى ثابته نحو التطوير في سرعة المشي لدي حتى وصلت إلى الهرولة الخفيفة ، بعد أن أخطأت في البداية ، حيث لم أكن أفرق بين الهرولة السريعة والبطيئة ، حيث كنت أتعب بقوة عند هرولتي بشكل سريع إلى أن أدركت نمط الهرولة بعد تركيزي عليه ، فوجدت أن حركة أرجلي يمكنني أن أكيفها بطريقة معينه لتكون أبطأ وتتحرك بشكل خفيف بدلاً من أن تكون سريعة وضربها قوي على الأرض ، ألم أقل لكم أن جسدي كان يعاني وعقلي أيضاً كان يعاني ، فالأول لا يعلم كيف يهرول والثاني لا يعرف كيف يقوده ، كلاهما لم يقوما بهذه الحركات في حياتهما بسببي أنا ، بسبب رضوخي أمام عادات أجتماعية لم تجعل المشي هدفاً لها ، بل كانت تحاول بشتى الطرق لجعلنا ساكنين لا نتحرك ، وكل شيء يأتي إلينا دون تعب !

بعد محاولاتي بضبط إيقاع خطوات أقدامي في الهرولة ، وإتساق حركة ساقيّا بدورانهما بشكل شبه دائري حتى تمكنت من الجري خمسة كيلو مترات في 30 دقيقة ، وأحياناً كنت أجري سبعة كيلو مترات في 45 دقيقه ، كان تطور مذهل أن يحدث لي بعد 6 أشهر فقط منذ بدايتي في الخمسمئة متر الأولى والتي كنت أتعب فيها !

كان من يتصل علي لمواعدتي بلقاء ، كنت أقول له ساعة وأنهي رياضة الجري لدي و من ثم سوف أتي إليك ، كنت أستغرق نصف ساعة فقط أقطع فيها خمسة كيلو مترات ومن ثم بعدها أستحم سريعاً وأبدل ملابسي ومن ثم أقابله ، لم يعد المشي يأخذ وقتاً من يومي كما بالسابق ، لم يعد ينهكني ويقطع عني شؤون حياتي ، لم أعد أشعر بالأعياء عند عودتي للمنزل وعدم رغبتي بالقيام بأي شيء ، كلها ذهبت مع أدراج الرياح بعد عناء الممارسة للمشي لفترة طويلة جعلت قلبي و جهازي التنفسي يعتاد على كمية المجهود البدني المبذوله هذه ، وهذا كله يعود بالفضل إلى التطوير عبر أشهر أراها قليله ، فهي لم تتجاوز الستة أشهر.

 

4 الألتزام /

أهم عامل هو الألتزام المستمر ، خمسة أيام بالأسبوع ثابته ، قد تتحرك قليلاً ، ربما الأحد لم أستطع أن أمشي لسبب قاهر ، فأقوم بالتعويض بالمشي بيوم الأربعاء أو الخميس بدلاً عنه ، كنت ألتزم بخطة سبعة الأيام بشده ، هناك يومان أضعهما كبديل ، وليست تعتبر إجازه ! ، من المهم أن تسميها أيام بديلة ، حتى إذا ما قررت أن لا تمشي إحدى أيامك الخمسة ، فسوف تقوم بالمشي بأحد اليومين البديلة ، لا أن تقوم بجعلها ثلاثة أيام راحة ! أو ثلاثة أيام بدون مشي ، أو مهما سميتها ، لإن الألتزام مرحلة مهمة في بدايات المشي تحتاجها حتى لا تخسر ما جنيته من أثار الحركة على جسدك ، فعندما تتوقف وتبدأ بدخول مرحلة التقهقهر والتراجع في ألتزامك بجدولك الزمني مع المشي ، فإن الجسد مرتبط بهرموناته مع العقل مما يسبب مزيداً من شعور التقاعس و الرغبة بالتوقف عن الحركة عند شعوره بالراحة لأكثر من ثلاثة أيام !


بعد فترات طويلة من المشي أصبحت أعرف الكثير من المشاة الذين يشاركوني المكان ونفس الجدول الزماني ، نمر بجانب بعض ونتبادل التحية إما بالنظر أو بالكلام وكل يمضي في طريقه  ، أصبحت أنتبه لذلك السمين الذي خف وزنه بشكل كثير ، بل أن أحد كبار السن كان يسبقني دائماً بالجري ، والأخر أراه يمشي مسافات طويله لا أقواها ، مشاعر جميله عندما أكون في مكاني المعتاد للمشي ، وكأننا رابطه غير رسمية ، ولو كان الخيار لي ، لأسميتها رابطة المتعرّقين ، نحن الوحيدين الذي نتعرق ونستمع بمقدار الكمية التي تخرج من أجسادنا ، وبالمناسبة ، فنحن في هذا العصر قد لا نتعرق بما فيه الكفاية ، فلا تخرج كمية السموم من أجسادنا كما هي مفترض ، تبقى حبيسة أجسادنا ، من يرغب بمعرفة المزيد عن فوائد التعرق ليبحث عنه بجوجل ، سيتفاجأ بكمية المديح بإتجاه العرق الذي نتقزز منه ونتجنبه ..