كتاب التأثير السيبراني

كتاب التأثير السيبراني

قطعت وعداً مع بداية عام ألفين وثمانية عشر بالتحدث عن قراءاتي ، والآن هذه قراءتي الثانية بعد كتاب ( رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي ) ، الرواية طويلة وأخذت مني مجهود عقلي لأنني كنت طوال الوقت أغرق في أسطرها ، وعقلي يجاهد النجاة !

نحن في نهاية شهر مارس ، وبالطبع قرأت كتب أخرى ، أنا لم أتجاهلكم أبداً أعزائي القراء ، فها أنا أستكمل مراجعتي لقراءاتي لكتب هذا العام .. وأكمل مع كتاب لماري آيكن وأسمه ( التأثير السيبراني ، كيف يغير الإنترنت سلوك البشر ؟ )

MaryAikenCROP_0.jpg
ماري آيكن
20180118_082145
غلاف الكتاب

الكتاب صدر في شهر ديسمبر الفائت بطبعته المترجمة إلى العربية ، ومنذ لحظة صدوره وضعته في أوليات قائمة القراءة بسبب موضوعه الذي يهمني وأجده يمسني كثيراً ، أو بالأصح يحتاجه الناس جميعاً في هذه الأيام ، بعد أن تمكن الإنترنت من فرض سيطرتها علينا ، واستغلال التقنيات لحاجاتنا وبدأت بتدخلها في أدق شؤوننا الخاصة ، كانت القراءة للكتاب هي لحظة أحتاجها لإعادة اكتشاف العلاقة الحديثة بين الإنسان والإنترنت ! ، ما تأثيرها علينا ؟ كان هذا الذي عنونت بها كتابها الجميل ، وكإنطباع شخصي فهي قد أسهبت الحديث عن السيبرانية بشكل جيد في صفحاته الأربعمائة و فصوله الثمانية.

تعرّف نفسها ماريّ بالمتخصصة في دراسة سيكولوجية السيبرانية والتي تعني ” دراسة تأثير التطور التكنولوجي على السلوك البشري ” ، وأعتقد من خلال تعريفها تبدأ بتفهّم معنى كلمة السيبرانية ، والتي هي بالمناسبة إندماج كلمتين ( سيبر ) أخذت من الكلمة الإنجليزية Cyber ، ومعناها رقمي ، والكلمة الأخرى هي ( الإنسانية ) ، سيبرانية ! ، رقمنة الإنسان ، علاقة الأنترنت بالإنسان ، هي تحمل كل ما يمكنه من أنواع مختلفة من التكنولوجيا وبين الإنسان من جهة أخرى ، كعلاقتك بهاتفك النقال ، أنت من طرف ، والهاتف النقال من طرف أخرى ، ما علاقة السلوك هنا !؟ ، فهنا يقع اهتمام السيبرانية بدراسة هذا المجال بعمق شديد .. وفي رأيي السيدة ماري أجادت هذا في الكتاب ، فقد فتحت أعيني لأول مرة على أمور كثيرة في علاقتي مع الإنترنت والهاتف والتقنية عموماً ، لا يشترط أن تكون مع الإنترنت  ، بل هي تشمل التقنية عموماً .. علاقة مهمة ولا يجب تجاهل تأثيراتها علينا ، لهذا أتى الكتاب ليسلط الضوء على هذا الفضاء السيبراني ليكشف أجزاء منه.

 الفصل الأول يتحدث عن الشذوذ ، وتأثير الإنترنت في انتشاره والاعتياد عليه بعدما كنا نظن أنه شاذ ، أصبحنا نراه شيئاً عادياً ، وربما نبدأ بممارسته بشكل اعتيادي بل حتى الدفاع عن الشذوذ بعدما أصبح في نظر الناس هي شيء عادياً ، الفصل مثير وأتى بالكثير من الأجوبة إلى رأسي ، أما في الفصل الثاني والذي بدأت الأهتمام من خلاله بالكتاب بشدة بعده :

يمكن تفسير الإدمان طبقاً لعمل يانكسيب على أنها شكل متطرف من أشكال البحث ، سواء كان المدمن يسعى للوصول إلى حالة اللاوعي عن طريق الكوكايين ، الكحول ، أو حتى البحث على محرك غوغل ، فالدوبامين الذي يفرزه هذه الحالة تجعل العقل في حالة ترقب وحذر !

هنا تفسر حالة البحث في غوغل والتي تصيبنا عند أتفه وأصغر الأشياء ، وفي الاقتباس القادم من كتابها يتضح المقصد لك :

ربما ترى مثل هذا المشهد من وقت لآخر:

زوجتك الجميلة تنشغل عنك أثناء موعد على العشاء بتفحص هاتفها بينما أنت تريد الدردشة معها ، هل تقصد حقاً أن تتصرف بهذه الوقاحة؟

إنها حالة بسبب الدوبامين ، تبقى الإنسان متحفزاً في علاقته مع التقنية ، ففكرة الأخبار المفاجئة والمتقطعة التي تأتي عبر شاشة الهاتف ، تجعلك دائماً في حالة متحفزة ومترقبة  مع هاتفك! ، فقد أصبح الهاتف من خانة المغريات مثل ما يقوم به الكوكايين بالضبط في جسم الإنسان ، فقد أصبحنا لا نقاوم الهاتف الذكي .. ألم تشعر في يومٍ ما بالضيقة عندما تذكرت أثناء خروجك من المنزل أنك نسيت هاتفك الذكي على السرير ؟

تشرح ماري بعض الطرق للتصدي لحالة الإدمان ، أو على الأقل التخفيف منها ، تتمثل في حذف بعض التطبيقات والإشارات التي على شاشة هاتفك ، يمكنك أيضاً تعديل أوضاع هاتفك وتطفئ الإشعارات لإن مواقع التواصل الإجتماعي مثل أنستغرام وتويتر وواتس اب تريد من المستخدمين الرجوع إليها باستمرار ( يريدونك دائماً معهم )..

الفصل الثالث و الرابع والخامس كان الحديث عن تأثير السيبرانية على المراهقين والأطفال ، لأهمية هذه المرحلة العمرية أسردت ثلاثة فصول من أجلهم ، فهي تقتبس مقولة جون ف. كيندي  : ” الأطفال أكثر الموارد البشرية أهمية ، إنهم أمل العالم في مستقبل أفضل  .. “

ربما كانت قصة ماليك وايتر ، الطالب الذي التقط صورة سيلفي له مع معلمته التي كانت تخوض مرحلة تشنجات ما قبل الولادة ، بلا مبالاة لحالتها الصحية ، فقد لبس نظارته الشمسيه ، وكان يعدل العدسة ليظهر معلمته الحامل وهي تتألم في الخلفية رغماً عنها ..

selfie22n-2-web.jpg

عبر الصورة نفهم ما نراه يحدث بشكل متكرر من بعض المراهقين في اليوتيوب عبر مقالب سخيفة وتحديات ينشرونها على الفضاء السيبراني ، وتلك المشاهدات العالية والشغف بالمتابعة من قبل الأطفال ، توقفت كثيراً وأنا أقراً هذه الفصول والتي كشفت إجابات الكثير من الأسئلة ، الكتاب قيّم ..

أما في الفصل السادس تتحدث ماريّ عن رومانسيات الفضاء السيبراني ، وكيف أصبحنا كغرباء القطار ، نتبادل الابتسامات ونظرات الإعجاب التي لا تكاد تتجاوز بوابة القطار ، أستمرار طقوس المغازلة وكل منهم يعرف أنه سينزل من عتبة القطار ولن يشاهد الأخر مرة أخرى في حياته ، تلك الغزلية اللحظية من فقدان الثقة بالنفس ، فهو لا يريد أكثر من ذلك ، مشاعر السيبرانية تفجر مجال جديد من الغزل الغريب ، وهذه من أوجه تأثيرات السيبرانية علينا ، هل من الذكاء كشف هذه الأسرار ؟ سؤال طرحته بقوة ماريّ!

أعتقد لحظات التوقف على تأثيرات السيبرانية علينا هي من الضروريات التي يجب علينا أن لا نتغافلها في حياتنا ، ربما لا نشعر بالخوف ، ربما تتملكنا الرغبة العاجلة ، ربما تحيط بنا الأحاسيس المجهولة ، ونكسر كل شيء في لحظة واحدة بكشف أسرار حياتنا بلا تردد ! سناب شات مؤخراً يأتي كمثال بارز لهذه الحالة النفسية الغريبة بيننا وبين الأنترنت ..

السايبر كوندريا أو ينبوع القلق ، هكذا عنونت فصلها السابع ماريّ ، حيث فصلّت حالة القلق وتأثير الخيال عليه ، وكيف أننا نصاب بالهلع عند رؤية الثعبان الصغير ولا نخاف بذلك المقدار من الهلع عند رؤية الفيل ! ، تحدثت إيضاً كيف نصاب بلوثة القلق عبر المعلومات المغلوطة التي تنتشر بكثرة في الإنترنت وتأثيرها على العقل الباطن للإنسان ، كيف نقوم بتفتيش حذاءنا الصغير قبل أن نقرر أن نلبسه ، نعتقد أحياناً بوجود حشرة بداخله أو عقرب ينتظر دخول قدمي .. تلك المخيلة التي تسيطر علينا وتأثيرها علينا في الإنترنت ، مما تدفعنا للقيام بأشياء خاطئة أثناء استخدامنا للإنترنت ، مهما نظن بمحاولات حماية أنفسنا ، نجد أننا في الأخير قد عرضنا أنفسنا لمخاطر أكبر.

كما يقول صديقي الطيب جون سولر ، ” ليكن منتقدوك معلمين لك ، تعامل معهم كفرصة ثمينة ، أسأل نفسك لماذا تتضايق من التعليقات ، لماذا تزعجك؟ ما هي تأثيراتها على ثقتك بنفسك؟” .

كان هذا الاقتباس السابق و الجميل من الفصل الثامن والأخير والمعنون بـ ” أسرار وخفايا الأعماق” ، كتحليل شخصي أجد أن عبارة ( لن يجبرك أحد على أن تفعل شيئاً ) هي مختصر هذا الفصل الكامل والذي يتحدث التفسيرات والاستجابات والمشاعر ، عن الأنترنت العميق ، يتحدث عن الحرية عموماً ..

الكتاب ألتهمته في يومين تقريباً وأنا لا أشعر بالوقت أبداً ، بل كنت أتأكد أنني فعلاً قرأت كل صفحاته عبر العودة إلى الوراء بالصفحات والتأكد من جديد ، لإنه لا زال لدي الكثير من الأسئلة لم أجد بعد إجابتها ، ربما فضولي كان أكبر  ، مع ذلك لا أبخس الكتاب ففيه معلومات مهمة يعج بها والتي في اعتقادي البسيط يحتاجها كل شخص يتعامل بكثرة مع التقنية ، ومن منا لا يفعل هذا في هذه الأيام؟

 

مدينة كومو الإيطالية

مدينة كومو الإيطالية

547gg98.PNG

وصلت إلى مدينة كومو ، أو لنقل بلدة كومو ، فأول ما تفاجأت عند وصولي عن مدى صغرها بعكس صيتها الذي ملأ الأنترنت ، أجد السائحين العرب يتحدث عنها بكثرة مما ولد بداخلي صورة أنها ستكون مدينة كبيرة !

1-DSC01724

كومو تقع على الحدود الإيطالية السويسرية ، لذلك هي تعتبر محطة توقف في الطريق بين البلدين ، وإن كنت أظن فكرة إكمال الطريق إلى مدينة ميلانو وتحمل قيادة ساعة إضافية بالسيارة أنها ستكون أفضل بدلاً من ضياع يومك على مدينة كومو.

1-DSC01729

قررت إيقاف سيارتي في إحدى المواقف ذات الإيجار بالساعة ، وبعدها بدأت بالسير على الأقدام في أزقة البلدة القديمة والتي تقبع بداخل أسوار ، تحتاج منك العبور بإحدى البوابات حتى تدخلها ..

1-DSC01741

ما يجدر الإنتباه له ، أنه في كثير من البلدات الإيطالية وهي على أي حال مثل كثير من الدول التي تطل على البحر الأبيض المتوسط والتي تتشارك بعادة القيلولة العربية ، حيث كثير من المحلات تغلق في فترة الظهيرة ، وأهمها المطاعم ! ، أيعقل أن تبحث عن مطعم في عز الظهيرة لتأكل الغداء فتجد معظمها كان مغلقاً ! ، أتفهم فكرة محلات الملابس و البضائع ، ولكن مطاعم وفي فترة الغداء تكون مغلقة ! يبدو أن فترة الغداء الرسمية لديهم تكون بعد الساعة الرابعة عصراً .. ملاحظة جديرة ، وددت الإشارة لها في تدوينتي هذه.

1-DSC01738

البلدة تعج بالسياح رغم صغرها ، و أكشاك الفاكهة على قارعة الطريق يعرضون الفواكه للمارة.

1-DSC01751

رغم أن البلده صغيرة كما ذكرت وجدت معرض صغير للكتاب ، اللغة الوحيدة و المتوفرة هي اللغة الإيطالية ، لا وجود لأي لغة أخرى ..

1-DSC01752

1-DSC01753

1-DSC01743

البلدة هادئة ، على الأقل في وقت زيارتي لها نهاراً ، حيث لا توجد بها فعاليات بارزة أو صناعات واضحة يمكن التبضع منها ..

1-DSC01755

لم يجذبني في كومو سوى بحيرتها والتي بالمناسبة توجد مثلها المئات في أوروبا من البحيرات ، فلذلك لم أجد ميزة للمدينة سوى قربها من فوكس تاون ( اوت لت اوروبا ) حيث في ما تبقى من اليوم قررت الذهاب لها ..

1-20170907_1312251-20170907_121916

هي تقع في الجانب السويسري ، وعلى الرغم من ذلك فكأنك في إيطاليا ، اللغة السائدة في المحلات هي الإيطالية ، تشعر وكأنك لم تغادر إيطاليا ، الماركات الإيطالية منتشرة بكثرة داخل السوق ، وفي أسفل السوق هناك فرع يمكنك استرداد أموال الضريبة نقداً ، وهذا ما يميز التسوق في سويسرا .. فوكس تاون لمن يرغب التسوق يعتبر فرصة جيدة .

التدوينة القادمة عن مدينة ميلانو الإيطالية حيث كانت وجهتي بعد انتهائي من التسوق ، قصدت مباشرة مدينة ميلانو.

 

كيف أقرأ ؟ وكيف أحب القراءة ؟

كيف أقرأ ؟ وكيف أحب القراءة ؟

qr2a3q1555wr23qqfgtuea
by wetcanvas

تتزاحم المواضيع التي أود التدوين عنها ولكن أبت نفسي إلا بالتحدث عن هذا الموضوع الذي كثيراً ما يتم تداوله بين الناس دون إجابات  يحصلون عليها ، حيث تسقط محاولاتهم دائماً أمام أول تساؤل ، ألا وهو ” كيف اقرأ ؟ ” وكيف أجعل نفسي محباُ للقراءة أو على الأقل أتقبل القراءة ، فالبعض يصل لمرحلة تجعله مليئاً بالملل القاتل ، فتجده يرمي الكتاب في أقرب لحظة يمكنه فيها ذلك ، كأخر لحظة من لحظات الإمتحان الدراسي .. هذا مجرد مثال.

تفاعلي للموضوع أتى بعد تعليق تلقيته من المدونة بشاير ، كلامها دفعني بشكل أقوى لوضع المجهر على مشكلة القراءة مع وجود الرغبة بداخلنا.

في الحقيقة روايتي التي أقرأها منذ شهر لم أنتهي منها لاأعرف كيف أكتب سبب معين هي أول رواية أقراها سبق وقرأت روايات بسيطة الخميائي ورواية أخرى

لكن رواية (وهذا أيضاً سوف يمضي) نوعها غريب أو لا أجد الإنسجام التام معها أشعر أن هناك خطب ما لدي

شعرت أني لا أعرف قراءة الرواية أود في كل مرة الرجوع للمقطع السابق لقرائته وتكراره لإستوعب أحداث القصة والتفاصيل رغم أني وصلت للمقطع 8 في الراوية أجدني لا أعرف وصف المقاطع السابقة لو أن أحداً سألني عنها أشعر بـ(لخبطة) هل هذا لأني مبتدئة في قراءة الروايات أو أني مبالغة في الموضوع انزعجت من هذا الشعور ولم أنتهي من قرائتها هناك رواية أخرى بإنتظاري لا أود فتحها حتى لا أحبط

 

أولاً لنتحدث عن القراءة بحد ذاتها قبل أن نفكر في أي شيء ، كيف كان وضع القراءة في السابق؟ القراءة لقرون طويلة كانت فعلاً نخبوياً و مقتصرة على فئة الأغنياء من الأناس و تشمل المقتدرين مالياً الذين يتمكنون من شراء الكتب في ذلك الزمان ، كانت الكتب تنسخ باليد ، وتحتاج إلى ورّاقين يقضون أياماً طويلة من أجل نسخ كتاب واحد ، وبسبب هذه العملية الطويلة والصعبة كانت الكتب أعدادها قليلة وباهضة الثمن ، لهذا السبب كانت تقتصر على فئة معينة ولم يسهل تداول الكتاب بين الفقراء إلا بعد ثورة الطباعة الآلية في القرن الثالث عشر الميلادي ، فقد مكنت من وصول الكتاب إلى أيدي كثيرة و بثمن بخس ، فالكتاب أصبح يطبع منه الآلاف بدلاُ من السابق حيث كانت نسخ قليلة و تكتب باليد ، فالقراءة بعدما جاءت الطباعة لم تعد فعلاً نخبوياً خاصاً ومحدوداً على الطبقة الارستقراطية والثرية ، فالكتب أصبحت بعدها تُباع على قارعة الطريق ، بنفس ثمن تذكرة القطار وربما كانت أرخص من ذلك بكثير ، ومع الأيام وتطور وسائل النقل مثل السفن البخارية والقطارات ، أصبحت الكتب تقطع مسافات طويلة بسبب ثورة المواصلات والتي تزامنت مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ، لم يعد أحد بحاجة إلى السفر إلى مكتبة الإسكندرية أو مكتبة بغداد من أجل قراءة كتاب ، المسافات طويت مثلما طوت المطابع الصفحات.

تمكن الفقراء بعدها لأول مرة بتملك المكتبات بداخل منازلهم ، أصبحوا يقتنون ويتبادلون ويلمسون الكتاب ، ومثال على هذا نجد المناضل الأمريكي مالكوم أكس الذي كافح من أجل حقوق السود في أمريكا يتحدث عن دور القراءة عندما دخل السجن وكيف غيرت أسلوب حياته وطريقة كلامه ، هنا كان مالكوم الفقير يملك طريقاً يصل به إلى الكتب حتى يقرأ ويتغير بداخله ويمكنه بعد ذلك من تغيير أوضاع عرق كامل كان يعيش تحت قوانين الفصل العنصري ، ويعود الفضل إلى سهولة انتشار الكتاب مما مكنت من سهولة الوصول للقراءة ، هنا علاقة طردية ، ازدياد الكتب ، تدفع بمزيد القراءة.

وبعد أن مضت ستة قرون على أختراع المطبعة ، كان ينتظرنا منعطفاً قوياً لم يأخذ حقه الكامل بتسليط الضوء بسبب سرعة وصوله ودخوله إلى المجتمع ، لم يكن منعطفاً بل صاروخاً أنطلق بنا إلى فضاء لم نرى نهايته حتى الآن ، فما قدمه ولا يزال يقدمه لم يتوقف عند أي حد حتى الآن ، وما زال العرافون والمتكلمون يهرفون ويقولون و يتنبأون عن شأنه ، لا أعتقد أنه خفي عن أحد بعد أن وصفته وهو أقل من حقه ، فقدوم السيد المبجل المدعو بـ الإنترنت كان مرحلة أخرى في حياة الإنسان ، فما فعله الإنترنت الآن يتخطى بمجرات ما قامت به الطباعة الآلية ، مقدار المعلومات التي أصبحنا يومياً نتلقاها أكثر بكثير من مقدرتنا الإنسانية ، أصبح الشيخ جوجل هو ذاكرتنا اليومية ، لم نعد بحاجة الحفظ ، لم نعد نحتاج حمل القرآن ، لا تذاكرنا ، لا أموالنا ، لم نعد نريد أن نعرف شيئاَ ، لأنه ببساطة موجود على الإنترنت ، لا يحتاج منا أن نعرف ، ضغطات قليلة على شاشة الهاتف الذكي تمكنني بسرعة مذهلة من الوصول الى المعلومة حتى أطبقها ، سمعت قصة قبل عدة سنوات عن رجل بريطاني قام بتوليد زوجته في السيارة وذلك في طريق ذهابهم للمستشفى ، بسبب أنها فاجأتها آلام الولادة وعرف أنه لن يتمكن من الوصول للمستشفى في الوقت المناسب لهذا قرر المخاطرة بالتوقف على قارعة الطريق و تطبيق التعليمات و الارشادات لتوليد طفل وذلك من خلال مشاهدة مقطع يوتيوب! أنه أمر أدهشني كثيراً عندما سمعت بالقصة بإذاعة بي بي سي البريطانية.

ولكن ماهي القراءة ؟ مالمقصود بها ؟

لطالما أعتبرت القراءة هي كل كل ما أسمعه وأراه وأتذوقه ، القراءة هي تكوين للحواس الخمس ولكن تكون في حالة متفاعلة مع العقل ، فلا تنأى بنفسها دون العقل ، بالعقل تكون القراءة ! فالنظر المجرد و السمع بدون إصغاء من العقل لا يعتبر قراءة ، لتكتمل القراءة يجب حضور العقل وحضور تفاعله .. ربما هناك من يستطيع قراءة أوجه الناس ، وهناك من يقرأ السماء فيعرف متى تمطر ومتى  تكون شمساً ، القراءة تكمن في الإستماع بتركيز لهذا الخطيب ، لهذا السنونو الذي يشدو ، أن القراءة في نظري ليست محدودة على الكتاب ، فنحن نقرأ سواء أردنا أم لم نرد ذلك ، ولكن بدون وعي وإدراك منا!

كان الأنبياء لا يقرأون ، و خاتمهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن يعرف القراءة بمفهومها الشائع في المجتمع والضيق في المفهوم  والمقصور على الكتب ، ولكن هذا لم يمنعه من إخراج رسالة قارع بها الشر والظلام والكفر والشرك وحطم أركانها تحطيماً مستطيراً ، كان نبوغه عبر قراءة الوحي بالإستماع إلى ما يتلى عليه من الآيات وما يوحى له من جبريل عليه السلام ، القراءة هي الإحساس بما يصلنا عبر حواسنا ليس إلا ..

لماذا الكتاب إذاً  ؟

مع الهواتف الذكية أصبحنا نقرأ أكثر بكثير من مما نتخيل ، أصبحنا نرى مشاهد أكثر مما كنا نراه سابقاً ، فشاشات الهواتف الذكية تقدم لنا بشكل سهل ومريح وفي الوقت والمكان الذي نريد ، يلبي كل ما نرغبه ، ربما كانت لعبة لنقضي وقتنا ، ربما بقراءة تغريدات ، ربما مشاهدة صور إنستغرام ، أو حتى مشهد يوتيوبي مضحك ، ولكن في المجمل نجد كمية الأحساس أقل ، أصبحنا باردين أكثر ، ليس بسببنا نحن ، أم بسبب الهواتف الذكية ، لا بل بسبب أن المحتوى أصبح بعيداً عن مستوى التفكير والعقل ، لا يحث على التفكير ، بل أنه يركز على الجمود ويتعمد ذلك ، ولأعطي مثال على ذلك ، تجد نفسك تشاهد ساعات طويلة على تويتر ولكن غالباً تكون لا معنى لها ، مالذي تعتقده يكون السبب ؟ ألا تجدها معظمها لا تحتوي على مزايا وخصائص التفكير بعكس الكتب والتي تحمل في أسطرها ميكانيزم التفكير ، حتى تلك الروايات وأصناف الأدب تجدها تحمل آليات مختلفة و متنوعة من التفكير ، تفكير عاطفي و وجداني وتفكير أجتماعي وتفكير خيالي  وأنواع كثيرة غيرها ليس بالمتسع ذكرها الآن ، لكن مع قراءات الأنترنت تجدها مجرد كلمات دون شرط التفكير بداخلها ، لا تملك فيها أي مسارات للحركة العقلية الطويلة ، يقول الأطباء أن المشي لمسافات قصيرة لا يعتبر رياضة ولا تمد للجسم بالفائدة المرجوه ، بعكس المسافات الطويلة ، 45 دقيقه من المشي المتواصل هي أدنى ما يحتاجه الجسم ليستقبل تأثير الرياضة ، وكذلك تحتاج القراءة ، فعندما تسير في مسارات قرائية طويلة يبدأ مفعول القراءة بالتكوّن بداخلك  ، تبدأ احساس الفائدة وتأثيره عليك.

الكتاب هو وعاء الثقافة الرسمي ، هي الشجرة التي تستطيع أن تقطف ثمارها دون حاجة منك للقفز ، فقطوفها دانيه بمتناول يدك ، فالكتاب أراه كمثل الشجرة الكبيرة التي يمكنها حمل كل تلك الثمار .. وبالنسبة للعقل نجده بجزئية الخيال فيه لا يمكن أن تناسبه إلا الكتاب ، هو الوعاء المناسب والمثالي الذي تستطيع أن تسكب الأفكار فيه ، هو الوعاء الذي يمكن أحتواء كل ما يريد أن يخرجه العقل من أفكار ، لذلك القراءة من الكتاب تكون هي المستوى الأعلى من مستويات القراءة لدينا ، فما يمكنّه الكتاب بداخلك لا يساويه أي نوع من أنواع القراءة الأخرى ، هو الوحيد الذي يأخذك إلى مسافات بعيدة لا يمكن لأي مصدر آخر أن يفعله.

الكتاب كماراثون طويل ، والأنواع الأخرى من أوعية الثقافة تكون خلفه بالترتيب ، فالكتب يمكنها حمل قواعد الرياضيات وقواعد الأدب وقواعد الفيزياء ، تتشكل الكلمات والرموز لتتقبل كل الأفكار حتى التي لا نستطيع تمثيلها في الواقع ، الخيال والأرقام والرسوم تبدأ عبر الأسطر ، بإختصار يمكن للكتابة أن تستوعب كل ما ينقل لها ، وبسهولة أخرى يمكنها من نقل ما يوجد في الصفحات إلى العقل مرة أخرى ، لهذا تكون القراءة عبر الكتاب هي الأسمى ، فالكتاب يقبع في قمة هرم القراءة مقارنة مع القراءة الصورية والقراءة السمعية.

إذاً كيف أقرأ؟

هذا سؤال ضبابي ، حتى أجيبك ينبغي عليك أن تعرف أنك في الأساس قارئ ! ، كما أسلفت وأوضحت سابقاً في هذه التدوينة.

كلنا نقرأ ولكن بشكل مختلف ، بعضنا سمعي وبعضنا بصري ، وهذه الخصائص طبيعية بداخلنا ، بعضنا يكتسب المعرفة عبر الناس ، عبر التفاعل الاجتماعي ، يقرأ كل ما يقوله الناس ، تجده يتحرك على هذا الأساس من القراءة ، القراءة أساسها الدهشة ، أساسها التفاعل الوجداني بداخلك ، هناك من يمر على موقف محزن في الشارع ولم يتأثر ، وآخر مر على نفس المشهد ولكنه لم يتمكن من النوم لعدة أيام .. فالبشر متباينون في كيفية قراءاتهم ، لا يعني عدم أحساس الأول ، بل طريقة استيعابه مختلفة عبر مسار آخر ليست بالبصر ، ربما يكون الكلام غريباً أن يصدر من شخص مثلي كاتب ، يحب القراءة الورقية ويعشقها بجنون ، ولكنها الحقيقة التي يجب أن أقولها بأمانتي في الكتابة ، ولكن هذا لا يعني أن القراءة الورقية مقصورة على البعض ، والذي بسبب حالتهم الخلقية والطبيعية يحبون القراءة أو يستوعبون وعاء القراءة الورقية بشكل أفضل من غيرهم ، و مثال على ذلك تجد بعض الأطفال عندما تقرأ كتاباً له يحاول بإن يجذبك نحوه ليتشارك رؤية الصور بصفحات الكتاب بينما أنت تقرأ له ، وطفل آخر تجده لا يهتم ، بل تراه ينظر لك بدهشة مفرطة لطريقة إلقائك و قراءتك للقصة ، هذا الاختلاف يحدث لأسباب خلقية يحتاج تدوينات طويلة لشرح الأسباب ، ولكنها أمور جينية ليس للأنسان بحد ذاته ، لكن هذا لا يمنعه من الاكتساب أو التطور ، فالقراءة بمفهومها هي مختلفة ، ليس العيب فينا ، لهذا لا يملؤك إحساسك بالغضب من نفسك ، فأول الحلول أن تعرف نفسك.

معنى الكلام السابق وجود السبب لتعرفه ، ولكن كيف تقرأ؟ فأنا لم أجب على السؤال حتى الآن ..

من منا لا يرغب بإن يكون قاريء ، أن منظر جلوس شخص أمامك مائلاً برأسه و ممسكاً بالكتاب وهو يقرأ يجعلك تتخيل نفسك أنك في مكانه ، جميعنا نحب القراءة ، بداخلنا ذلك الأحساس العميق الذي يدفعنا لحب القراءة الورقية ، ذلك الفضول الذي يحثنا على المعرفة ، هذه المشاعر المخبأة بداخلنا والتي تبحث عن الدهشة ..

كأي شيء آخر نريده ، مثل أستخدام الحاسوب ، أو الهاتف الذكي ، كلنا نستطيع أن نمسكه دون مشاكل ، البعض يمسكه في كل وقت والبعض بين الحين والآخر ، ” كما قلت سابقاً البعض يجد صعوبة بسبب اختلافنا خلقياً ” ، لكن جميعاً نتمكن بالإمساك بهواتفنا الذكية ، كلنا ملزمون بإستخدام الحاسوب في أعمالنا ، أرباب العمل يفرضون عليك معرفة أساسيات الحاسب حتى تتمكن من العمل لديهم ، وكلنا تمكنا سواء عبر الإجبار أو الأختيار من أستعمال الحاسوب وأصبحنا نقرأ كل ما نحتاجه ، أحدث صيحات الموضة ، جديد السيارات ، وصفات طبخ جديدة ، أبحاث للجامعة ، كل ما تحتاجه تجد نفسك تقرأ فيه من خلال هاتفك الذكي  .. إذا السؤال المهم هنا لماذا لم تتمكن من قراءة الكتاب؟ وتمكنت رغم ذلك من قراءة ساعات طويلة في مواضيع مختلفة عبر حاسوبك.

gw4tw2tgywyw2y.jpg

استخدام أسلوب الفراشة في الحديقة

هذا الحل الذي أستخدمه منذ فترة طويلة لمعضلة القراءة لدي ، أتساءل كثيراً لماذا أدخل إلى تويتر وأجد نفسي بعدها في أنستغرام أو يوتيوب ، والعكس كذلك ، أو أجد نفسي غصت في مواضيع مختلفة وتنقلت بينها دون أشعر ! لماذا لا أركز على شيء معين ومحدد في الأنترنت ! ففي الحقيقة كلنا نعاني من هذه المشكلة والتي تدعى بعدم التركيز ، ولحل هذه المشكلة لدي في القراءة استخدم بشكل مقتبس لفكرة الفراشة وحركتها الدؤوبة بالطيران المستمر بين الزهور والورود دون أن تكون ثابتة على زهرة واحدة ، كذلك أفعل بذاتي خلال قراءتي الورقية ، أجد نفسي أقرأ أكثر من كتاب في نفس الشهر ، وأجد نفسي أتنقل بين هذا الكتاب والآخر ، حتى لا أشعر بالملل والذي لا يمكنني التحكم به ، فكل ما أقوم به أن أغير الكتاب والذهاب إلى مجال آخر للقراءة ، لهذا تجد على مكتبتي أكثر من أربع كتب قريبة من يدي أتنقل بينها بالقراءة .. عندما أتوقف عن قراءة كتاب أجد نفسي توجهت للكتاب التالي بشكل تلقائي لأكمل ما توقفت عنده سابقاً ، فقد عودت نفسي على ذلك ، في الحقيقة لا أعلم أن كانت هذه الطريقة متبعة عند غيري أم لا! لم اسأل احداً من قبل .. ولا أعلم عن استراتيجياتهم في القراءة ، ربما في التعليقات يشاركوني بذلك.

أمللت من كتاب ؟ ، أتجد عقلك يطلب منك الابتعاد عن صفحات هذا الكتاب ؟ ، أذهب به إلى كتاب آخر ، كما تفعل تماماً في الأنترنت ، تتقلب بين المواضيع المتنوعة خلال ساعاتك الطويلة ، الحال نفسه يسري عندما تقرأ الكتب ، لهذا أنصح دائماً من يسألني ما الذي أشتريه من كتب ؟ أقول له أشتري عدة كتب في مجالات متنوعة وتهتم فيها حتى لا تصاب بالملل ، فعندما تقرأ موضوع معين لفترة طويلة ، مهما كنت قارئاً نهماً سوف تمل من هذا المجال ، لهذا مكتبتي تزخر بمجالات متنوعة ، تاريخية و دراسات علمية و روايات و أشعار وكل ما يخطر في بالي من مجالات أجد نفسي أميل لقراءتها .. لهذا عندما تقف بسبب الملل أثناء قراءة كتاب ، قم بوضع علامة على آخر صفحة و اذهب سريعاً لكتاب آخر ، ليس هناك مشكلة بك .. هذا طبيعي ، فقط استرخ وخذ كتاب آخر وتخيل نفسك في حديقة مليئة بالزهور وأنك تنقلت إلى زهرة أخرى.


دعوة إلى الأصدقاء والحضور في الرياض ، يسعدني التواجد في منصة التوقيع من أجلكم يوم الخميس في الساعة الرابعة ونصف عصراً في أول أيام معرض الرياض الدولي للكتاب.

662454drt.png

مدينة زيورخ السويسرية

مدينة زيورخ السويسرية

زاد حماسي في صباح يوم وصولي لمدينة زيورخ بعدما استغرقت في قراءة كمية من التعليقات التي اتفقت أن تكيل النصائح والمديح بالاتجاه ذهاباً إلى المتحف العلمي  ، لهذا جعلت زيارة المتحف هو أول فعل أقوم به في يومي ، فأنا لم أحتمل كمية حماسي بالرغبة بزيارته ..

 

ولم يخب ظني بعد أن أخذت جولة طويلة في المتحف امتدت لأربع ساعات ، صحيح أن قيمة تذكرة الدخول للشخص كانت غالية ولكن بعدما دخلت المتحف وجدت أن قيمة التذكرة تستحق كل يورو تم دفعه فيه ، فقد قضيت أربع ساعات لم أشعر بها وأنا في المتحف ، فكل ركن فيه يدعوك لأن تمكث فيه وقت أكثر ، أجده يفيد كثيراً للأطفال لفهم الفيزياء والكيمياء والميكانيكا.

1-DSC01234

صورة من داخل المتحف وتفاعل الناس مع محتويات المتحف ، فهو أغرب متحف زرته في حياتي ، كل أجزائه عبارة عن ألعاب علمية تجعلك تفهم العلم بشكل مبسط ، ممتع كثيراً للأطفال وحتى الكبار.

1-DSC01237

1-DSC01251

تجربة الكهرباء الساكنة ومرورها بالأجساد وتأثيرها على الشعر بحيث تجعله واقفاً ، كان الجميع يضحك بعد التجربة ، فهي ماتعة.

1-DSC01268

1-DSC01276

 المتحف من الخارج وهذا موقعه الرسمي

Swiss Science Center Technorama 

المتحف يبعد عن وسط زيورخ نصف ساعة بالسيارة ، و أنصح بزيارته بشدة.

1-DSC01291

بعد نهاية زيارتي للمتحف ، توجهت بسيارتي إلى شلالات نهر الراين والتي تقع في شمال مدينة زيورخ كما تظهر في خرائط جوجل التالية :

1-DSC01301

عندما وصلت أستقبلني المدخل إلى الشلالات ، أستغربت وجود رسوم يجب علي دفعها للدخول ، في عادة الأوروبيين لا يأخذون أموال عند دخولك للأماكن الطبيعية إلا ما تحتاج أن تستخدم فيها العربة المتنقله ( التلفريك ).

عموماً دخلت بعدما دفعت قيمة التذاكر للدخول ، يجب الإنتباه أن الدرجات بها كثيرة وتحتاج نوع من اللياقة وحذاء رياضي مريح.

1-DSC01325

الشلال كما يبدو من فوق

1-DSC01317

1-DSC01424

محاولاتي لاصطياد صورة لقوس قزح

1-DSC01433

1-DSC01426

1-DSC01430

السير على الدرجات حتى الوصول إلى أسفل الشلال ، هناك مصعد يمكنك أستخدامه ولكن لا يذهب إلا لأسفل المكان أو أعلاه فقط ، فهو لا يتوقف في المنتصف بالقرب من الشلال ، لهذا سيفوتك الكثير من المناظر الخلابة.

وبعد انتهائي من جولتي في الشلالات قررت العودة إلى مدينة زيوريخ والسير في وسطها وأكتشاف ما تحمله هذه المدينة.

1-DSC01471

المدينة أشعرتني بأنها مدينة المال ، شعرت هذا من ملابس الأناس في الشوارع ، لا ليست مثل لندن أو باريس ، يطغى عليهم اللبس الرسمي الخاص بالبنوك ، ولا عجب بذلك فزيورخ تتمركز فيها بنوك العالم ، وتعد من آمن المناطق في العالم التي من الممكن أن تضع أموالك بها ..

كل هذا شعرته وأنا أسير في طرقاتها ، تكتفي برؤية الناس وأن تتحسس ذلك من أشكالهم وطريقة سيرهم ، اللطف يبدو ظاهراً عليهم بشكل أخافني ، هذا ما أحسسته.

1-DSC01468

المدينة هادئة ، لا يوجد بها ذلك الصخب كما يأتي عادة مع ذكر أسم زيورخ ، لا شيء يثير سوى الهدوء بحد ذاته وأنت تسير في شوارع زيورخ ..

1-DSC01568

ولا يفوتني زيارة شارع بانهوف والممتد إلى أن يصل إلى المحطة الرئيسية للقطارات في وسط زيورخ ، الشارع تتواجد على أغلى المتاجر التي تعرض أثمن البضائع ، الشارع حجمه مناسب مقارنه لحجم زيورخ ، فمدينة زيورخ صغيرة وليست بذلك الحجم ، نعم هي أكبر من مدينة بازل وأكبر من مدينة جنيف ، لكن لا تعتقد أنها ستكون أكبر من مدن أوروبية كثيرة .. لكن هذا لا يمنع أن تشعر بالهدوء والأمان في هذه المدينة التي أعتقد لو ضعت طفلك ذو السبع سنوات لوحده في الشارع ، لن يحصل له شيء !

1-DSC01480

مباني المدينة القديمة ، جسورها التي تعبر الأنهار من تحتها ، هدوءها ، مقاهيها المترامية في أرجاء المدينة ، كلها كانت من الأمور الجميلة في المدينة والتي أعجبتني كثيراً ، أحب المدن الهادئة ، وهذا طابع المدن السويسرية عموماً ، وهذا ما جعلني أحب سويسرا ، عتبي الوحيد عليها هو غلاء أسعار المطاعم والمساكن ، فوجبات الأكل تكلف مبلغ خرافي مقارنة بدول أخرى مثل ألمانيا وهي مجاورة لها ، أو الأرخص منها إيطاليا ، أما بخصوص التسوق فقد شعرت أنها أرخص الدول الأوروبية من حيث البضائع ، مقارنة مع فرنسا وألمانيا والنمسا ، أما إيطاليا فهي أرخص منها بكثير ، لكن أبتعد عن المدن الكبيرة مثل ميلانو وفينيسيا ..

 

في اليوم التالي قررت الخروج من زيورخ والذهاب إلى مدينة كومو الإيطالية ، ولكن أثارتني الطبيعة السويسرية لأقرر وضع محطة توقف خارج زيوريخ ..

1-DSC01581.JPG

1-DSC01606.JPG

وكعادة قرارتي في هذه الرحلة ، تأتي ارتجالية ، قررت أن أخرج حذائي الرياضي و أن أمارس الهايكنج في هذه الجبال ، بحثت عبر جوجل عن أقرب الأماكن حولي التي يمكن ممارسة الهايكنج ، فقام بتوجيهي آلياً إلى مكان لم أكن حتى يخطر في بالي من جماله.

1-DSC01637.JPG

بداية صعودي للجبل ، ألتفت بعنقي لأجد هذا المنظر ، لم أتمالك نفسي لأخذ هذه الصورة.

1-DSC01639.JPG

الأهتمام بالهايكنج يبلغ قمته عند السويسريين ، المسارات معبدة ! وهناك كراسي للجلوس والأستراحه على مدى الطريق إلى القمة.

1-DSC01659.JPG

منظر البحيرة من تحتي والجبال تحيط بي ! كنت لحظتها لا أدرك أنني ألتقط أنفاسي من الجمال أم من تعب السير على الجبال.

1-DSC01689.JPG

1-DSC01693.JPG

الجميل الذي لاحظته أكثر من مره ، هو وجود مطعم في قمة أكثر من جبل ، وهذا المطعم في الصورة السابقة كان في قمة الجبل حيث يطل على منظر البحيرة والجبال ، و لصعوبة الوصول له تسكن العائلة المالكة في نفس المطعم.

1-DSC01698.JPG

وجدت لديهم مصعد يذهب بالزوار إلى الأسفل بمبلغ رمزي لكل شخص ، تستطيع أستخدامه إذا شعرت بالتعب ، بالنسبة لي أجد النزول مريحاً ، وعندما استخدم المصعد تفوتني لحظات التوقف والتأمل في الطبيعة .. لهذا ذهبت مع خيار العودة سيراً على الأقدام.

وبعد وصولي إلى أسفل الجبل قررت إكمال مسيري بالسيارة إلى مدينة كومو الإيطالية ، بعد أن قضيت نهاري كاملاً تجولت فيه بين أرجاء الطبيعة السويسرية التي فتنت بها كثيراً.

التدوينة القادمة ، سأتحدث عن مدينة كومو الإيطالية

وفي النهاية لا أنسى أدعوكم إلى لقاء سناب شات مع نافذة المدونات والذي سوف أتحدث فيه عن الكتابة والتدوين :

 

سبعة أعوام من التدوين

سبعة أعوام من التدوين

6465.jpg

أحب أن أخبركم أن أحرفي المتهالكة والسيئة قد أكملت أعوامها السبعة هنا بين هذه الجدران المهترئة ، ربما لا يهم أحداً هذا الخبر ، و ربما شعرت بأهميتها أنا وحدي ، لهذا سأتحدث ، فأنا هنا وخلال سبعة سنوات تقوقعت فيها بنفسي الضعيفة ، سبع سنوات جمعتني بكثير من الزائرين على صفحاتي البسيطة والتي جعلتني أقوى ، فأنا المسكين لا أستطيع تعداد الرسائل التي وصلتني خلال هذه الأعوام السبع الماضية على بريدي الألكتروني ، فمن خلالها أسعدني التعرف على الكثير منهم ، كلماتهم الدافئة كانت تصلني عبر الرسائل المحملة بالمشاعر التي لا يمكن أن تصفها كلماتي الصغيرة أمام ضخامة عطفكم على هذا الشاب – التوّاق – للأحاسيس ! ، أما تعليقاتكم هنا فرقمياً قد تجاوزت 1700 تعليق  كانت اجمل سمات هذه التعليقات هي كمية الجمال الزاخرة التي جعلت من جدراني وكأنها لوحات لفان جوخ و مايكل أنجلو .. لا أملك بإتجاهها كلمات تلامس أحاسيسي في هذه اللحظات لتوفي حقكم علي .. ربما لا تصدقون أنها سرت على ذاكرتي وكأنها سبع ليال وليست سبع سنوات منذ تأسيس المدونة ، تقدمت فيها ذاتي الصغيرة فيما أحسب مراحل كثيرة بعد أن كانت مترسخة في وحل السكون ، وأجمل مافيها أحرفي فقد امتزجت بمشارب مختلفة طعمها ولونها ، كتابات أحتسب أنني فيها تجاوزت بذاتي من مرحلة التشكيك إلى مرحلة التعريف ، بدأت على إثرها  بفعل المقاومة بدلاً من التمنعّ ، لحظة ، أشعرت عزيزي القارئ بفارق المعنى بين المقاومة والتمنعّ ؟ هذا ما قصدته بين الشك والتعريف ، ما أقصده هو الفارق الصغير الذي لا يشعره سوى الكاتب في داخله ، فهيئة الكلمات وشكلها الخارجي يظهر الشك بصورته المتجلية ، ولا يمكن قطع هذا الشك سوى بالكتابة المتكررة المتخمرة ، فعملية مداولة الكلمات بين الأسطر هي تداوي العمليات الفكرية المتصارعة فيما بينها ، يسري عليها قانون الغاب ، الأقوى سيبقى ، هكذا هي حال الكلمات .. ومن جهة اخرى ، فالتدوين يساعدني بدفع كتاباتي حتى تتحول إلى كائن يولد بشكل شهري مستمر لا يتوقف ، حتى أصبحت تبعث نفسها مرة بعد اخرى بشكل تحرري من قيودها ، الى درجة انها تخيل  للقارئ كأنها لم تكن في يوماً من الأيام بين القيود ، لهذا تبدو في كل مرة بشكل جديد ، وكأن الكاتب لم يكن هو الكاتب الذي بالأمس ، فالمقاومة تجعلك شخص آخر .. ربما تشعر في هذه الأسطر بالغرابة و أنا أتفق تماماً معك عندما اطلق العنان لنفسي الغريبة بالحديث عما بداخلها من مشاعر ، لا أنسى بالتأكيد أثر تحرري من القيود أنني أصبحت يزيد التميمي وليس يزيد حافياً من دون أي ملحقات تعريفية به ! ، فهذا نصر أستطعت تحقيقه فقط في عامي السابع.

أكتب في هذا اليوم و جميع نسخي المتوفرة في الرياض لكتابي الأول ( عقل وقلب ) قد سحبتها مكتبة جرير لتقوم بتوزيعها على فروعها في السعودية ، وهي بالفعل بدأت بتوزيعها على فروع مكتباتها ( يمكنك الإطلاع على كتابي في صفحة المكتبة هنا ) وعلى وعد تلقيته بإرسال نسخ إضافية من بيروت ، أتمنى أن تصل عاجلاً ..

كل عام و مدونتي و أصدقائي بخير !❤💝💓❣💗


    .الخميس 1 من مارس سأقوم بتوقيع كتابي في معرض القصيم للكتاب ، أدعوا الجميع حيث يشرفني حضوركم

WhatsApp Image 2018-02-15 at 9.34.58 PM

شهر الأحلام – يناير

شهر الأحلام – يناير

تبقى الأحلام أسيرة النوم ، حدودها تلك الوسادة الناعمة التي تحتضن رأسك وتمد إليه شعور الراحة أثناء النوم ، لتستيقظ غالباً لا تذكر شيء مما عايشته قبل لحيظات قليلة ، تحديداً في أعماق نومك أحسست به ، حتى أنك شعرت بيدك وهي تتحرك ورجلك وهي تركض ، إلا إننا نصادف أحياناً نادرة تلك الأحلام الصغيرة محفوظة تنتظرنا نجدها عندما نقوم من النوم كحلوى صغيره ، ملفوفه بعنايه ، وموضوعه بدون أن ننتبه تحت وسادتنا ، سرعان ما يأتي بعدها مشاعر بالرغبة بالبحث تحت الوسائد عن بقايا لهذه الحلوى الصغيرة ، تود معرفة من وضعها تحت رأسك بدون أن تشعر بذلك ـ بدون أن تحس برأسك قد تحرك من مكانه.

وهنا شهر يناير ، توقفت فيه نفسي وتشبثت لحظات التساؤل بداخل عقلي عند الأحلام ، متحيراً عند الأحلام ، أتفكر في ماهيتها ، ما تكوينها ، وما الفائدة منها ؟ ، ولا أخفيكم بإن الحيرة لا زالت في أوجها في رأسي ، متيقظة لا تبقي ولا تذر لأي أجابة منطقية لكي تبذر للثبات أشجار تقف ضد رياح الأوهام.

متى يكون الحلم حلماً ؟ ومتى يكون وهماً أو يتحول إلى وهم ؟

مشاعري مع الأحلام لم تكن عبثية في هذا الشهر ولم تولد من نفسها ، فهي مستمده من رواية الجريمة و العقاب والتي أستغرقت في قرائتها أسابيعي الثلاث الفائتة وعشت فيها أحلام روديون راسكلينوف !!

وأستعير فيها مشهد ( الحصان القتيل ) من الكتاب والذي أثر فيني كثيراً ورغم أنني تجاوزته بصفحات كثيرة إلا أنني عدته من جديد ، كنت كلما أقرأ في الكتاب ، أعود لقرائته ، والذي آثر فيني بشكل بالغ ، فبسببه جعلت جرعة أحلامي لهذا الشهر تتجاوز حدها المعتاد بأضعاف مضاعفة لم أحتملها ، فمن خلال أستعارتي أبين عظمة الحوارات التي يجريها دوستفسكي ، تحديداً الحوارات النفسية.


images

في حالات المرض ، تتميز الأحلام ببروز قوى شديدة خارقة ، وتتميز كذلك بتشابه كبير مع الواقع ، قد يكون مجموع اللوحة عجيباً شاذاً ، ولكن الإطار ومجمل تسلسل التصور يكونان في الوقت نفسه على درجة عالية من المعقولية ، ويشتملان على تفاصيل مرهفة جداً ، تفاصيل غير متوقعة. تبلغ من حسن المساهمة في كمال المجموع أن الحالم لا يستطيع أن يبتكرها في حالة اليقظة ولو كان فناناً كبيراً مثل بوشكين أو تورجنيف. وهذه الأحلام ، أعني الأحلام المرضية تخلف ذكرى باقية ، وتحدث أثراً قوياً في الجسم المضعضع المهتز المختل.

كان حلماً مرعباً ، ذلك الحلم الذي رآه راسكولينكوف ، لقد حلم بطفولته ، هناك ، في مدينتهم الصغيرة. أن عمره سبع سنين ، وهاهو ذا في يوم عيد ، يتنزه مع أبيه في ظاهر المدينة ، الجو داكن ، والهواء خانق ، والمكان هو المكان الذي انطبعت ذكراه في خياله تماماً, ولكنه يبدو في الحلم أشد وضوحاً وأكثر تميزاً مما هو في الذاكرة. المدينة صغيرة. تمتد مكشوفة كأنها مبسوطة على راحة الكف ، فليست ترى حواليها حتى صفصافة بيضاء ، وفي مكان ما ، مكان بعيد جداً ، عند آخر الأفق ، تلوح بقعة سوداء هي غابة صغيرة. وعلى مسافة بضع خطوات من آخر بساتين الخضار التي تحيط بالمدينة ، توجد حانة كبيرة كانت دائماً تحدث في نفسه أثراً أليماً ، حتى لتخيفه حين يمر بها متنزهاً مع أبيه. كان في هذه الحانة دائماً جمهور كبير ، وضحك مجلجل ، والناس يتشاتمون هنالك ، ويغنون بأصوات سيئة أغاني قبيحة بذيئة ، وهم خاصة يتشاجرون ويقتتلون في كثير من الأحيان ، وحول الحانة يتجول دائماً أفراد مخمورون لهم وجوه مرعبة ، ما إن يصادفهم الطفل في طريقه حتى يلتصق بأبيه ويشد جسمه إليه وقد أخذت أعضاؤه كلها ترتعش .. وفي مكان غير بعيد من الحانة توجد طريق أو قبل يوجد زقاق عرضاني أسود كثير الغبار ، يستمر متعرجاً متلوياً ، وينعطف يمنة بعد ثلاثمائة متر فيحيط بمقبرة المدينة. وفي وسط المقبرة تنتصب كنيسة مبنية بالحجر ، لها قبة خضراء ، كان الطفل يذهب إليها للصلاة مع أبيه وأمه مرة أو مرتين في السنة ، وذلك حين اقامة قداس على روح جدته التي ماتت منذ مدة بعيدة ولم يعرفها في يوم من الأيام. وكانوا في تلك المناسبة يحملون الحلوى التقليدية على أطبق بيضاء فوق منشفة : إنها حلى من الرز والسكر والزبيب المجفف المغروس في الرز على شكل صليب. كان الصبي يحب تلك الكنيسة ، ويحب أيقوناتها التي يخلو أكثرها من الزينة ، ويحب ذلك الكاهن الشيخ الذي يرتعش رأسه ، وإلى جانب قبر جدته الذي تغطيه بلاطة كبيرة ، كان يوجد قبر أخيه الأصغر الذي مات في الشهر السادس من عمره والذي لم يعرفه أيضاً فلا يستطيع أن يتذكره ، غير أن أهله قد ذكروا له أنه كان له أخ صغير ، فكان كلما زار المقبرة يرسم على نفسه إشارة الصليب في كثير من التقوى والخشوع ، وينحني أمام القبر ويقبله ، وإليكم الآن الحلم الذي رآه :

رأى نفسه يسير مع أبيه في الطريق المؤدية إلى المقبرة ويمران أما الحانة . أنه ممسك أباه مع يده ، ينظر إلى الحانة مذعوراً. إن هنالك أمراً خاصاً يجذب انتباهه! لكأن ثمة عيداً شعبياً كبيراً يحتفل به الناس. انهم عدد كبير من صغار البرجوازيين بملابس العيد وفلاحات مع أزواجهن ، وخليط كبير من البشر. هم جميعاً سكارى وهم جميعاً يغنون ، وامام باب الحانة ترابط عربة ، ولكنها عربة عجيبة غريبة ، هي عربة من تلك العربات التي تجرها في العادة خيول قوية, والتي تنقل أنواعاً كثيرة من البضائع وبراميل الخمرة. كان الصبي دائماً ينظر بكثير من اللذة والمسرة إلى تلك الخيول الضخمة ذات الأعراف الطويلة والسيقان القوية ، التي تسير بخطى هائدة موزونة جارة وراءها حملاً كأنه الجبل ضخامة ، دون أن يبدو عليها أنها تشعر بوجود هذا الحمل ، حتى لكأن الحمل يجعل سيرها أسهل وأيسر. أما الآن فإن الشيء الغريب هو أن هذه العربة الكبيرة قد قرنت بها فرس ضعيفة واهنة هزيلة شبيهة بتلك الأفراس التي كثيراً ما رآها تضني بجر حمل من الخشب أو العلف على طريق متحفرة تغوص فيها عجلاتها إلى المحاور, ويضربها الفلاحون بسياطهم على خطمها بل وعلى أعينها ضرباً قوياً .

ولقد كان قلبه ينقبض انقباضاً شديداً حين يرى تلك الأفراس على تلك الحال من الشقاء ، حتى ليكاد يبكي حزناً وألماً. وكانت أمه تضطر عندئذ إلى اقصائه عن النافذة. وها هي جلبة كبيرة تعدو : إن عدداً من الفلاحين الأقوياء السكارى يخرجون من الحانة صارخين, مغنيين, عازفين على البالالايكا ، مرتدين قمصاناً حمراء وزرقاء ، رامين أرديتهم على أكتافهم ، وهذا واحد منهم ، وهو رجل ما يزال في شرخ الشباب سميك الرقبة ، سمين الوجه, أحمر اللون كجزرة ، يصرخ قائلاً لهم :
” اركبوا ، اركبوا جميعاً ! سأنقل الجميع ، هيا اصعدوا ! ”
فسرعان ما تجيبه قهقهات وصيحات تقول :

– أبفرس ضعيفه كهذه الفرس تقودنا جميعاً ؟
– هه ! ماذا دهاك يا ميلكوكا؟
أتقرن دابة صغيرة هذا الصغر بعربة ضخمة هذه الضخامة.
– يميناً إن الدابة تبلغ من العمر عشرين عاماً يا أخي !
– اجلسوا ! سأنقل جميع الناس

كذلك صرخ ميكولكا من جديد, وهو يثب إلى العربة أول الواثبين, فيمسك بزمام الفرس, وينتصب في الأمام بقامته كلها, ثم يردف قائلاً وهو في العربة

– لقد سافر الكميت منذ هنيهة مع ماتفاي. وهذه الفرس يا اخوتي تغيظني كثيراً, وتحطم قلبي تحطيماً. إنني مستعد لأن أقتلها. انها لا تصلح لغير انتزاع لقمة الخبز من فمي. أقول لكم : اركبوا ! اجلسوا ! سأجعلها تعدو ولسوف تعدو !.. وأمسك بسوط وهو يتلذذ سلفاً بالمتعة التي سيذوقها حين يأخذ يضربها.

قال بعضهم ضاحكاً
– طيب, اصعدوا ألم تسمعوا ؟ سوف تعدو الفرس
– انها لم تعرف العدو منذ عشر سنين!
– لسوف تعدو
-لا تأخذنكم شفقة أيها الأخوة, فليتناول كل منكم سوطاً وليتهيأ !
– هيا بنا ! هلموا ! اضربوا !

ركب الجميع عربة ميكولكا مقهقهين مازحين. ركب ستة رجال وما يزال في المكان متسع. اركبوا معهم أمراة سمينة الوجه. انها ترتدي صدرة من قماش هندي أحمر, وتنتعل حذاءين ساقاهما طويلتان, وتضع على رأسها قلنسوة مزدانة بلآلى ، وتقضم حبات بندق وتنفجر ضاحكة من حين إلى حين ، والجمهور من حولها يضحك كذلك ، وكيف لا يضحكون ؟ كيف تستطيع فرس ضعيفة ضامرة هزيلة أن تجر مثل هذا الحمل عدواً؟ وسرعان ما تناول صبيان في العربة سوطاً لمساعدة ميكولكا. ودوت في الجو صيحات تهيب بالفرس أن تسير. أخذت الفرس تبذل كل ما تستطيع من جهد لتسير. ولكن أنى لها أن تعدو ! انها لا تكاد تقوى على التحرك من مكانها. فهي تراوح وتئن وتنوء تحت ضربات سياط ثلاثة تهوى عليها. تضعافت الضحكات في العربة وفي الجمهور. ولكن ميكولكا غضب. وها هو ذا من شدة حنقه وغيظه يضرب الفرس بمزيد من القوة كأنما هو يعتقد حقاً بأن في وسع دابته أن تجري عدواً!

صاح شاب صغير من بين الجمهور وقد فتنه هذا المشهد :
– هل تسمحون لي بأن أجيء معكم ؟
فصرخ ميكولكا يجيبه بقوله :
اركب . اركبوا جميعاً ! سوف أعرف كيف أجعل الفرس تعدو !
وأخذ يضرب ويضرب وقد استبد به حنق بلغ من الشدة أنه لم يلبث أن أصبح لا يعرف بماذا يضرب.

صاح الطفل يسأل أباه
– أبتِ ! أبتِ ! ماذا يفعلون ؟ أبتِ !
لماذا يضربون الفرس المسكينة ؟
قال الأب :
– تعال ، تعال, انهم سكارى يرتبكون حماقات.
تعال ، لا تنظر إليهم !

وأراد الأب أن يقتاد الابن ، ولكن الطفل أفلت من يديه, ثم لم يطق صبراً فركض نحو الفرس الشقية. كانت الفرس المسكينة قد ساءت حالها وخارت قواها. انها تلهث وتتوقف لحظة ثم تستأنف بذل ما تستطيع من جهد لتجر العربة. فتترنح وتكاد تسقط.

وصرخ ميكولكا يقول
– اجلدوها إلى أن تموت ! انتظر قليلاً .. سوف ترى !
هتف شيخ من بين الجمهور يسأله :
– ماهذا ؟ أأنت مسيحي ؟ يا لك من متوحش !
وأضاف آخر يقول :
– هل رأى أحد في حياته دابة هزيلة كهذه الدابة تجر حملاً ثقيلاً كهذا الحمل
وصاح ثالث يقول :
– سوف تقتلون الدابة أخيراً !
قال ميكولكا :
ما تدخلك أنت ؟ الدابة دابتي ! ما أريده أفعله ! اركبوا جميعاً ! أريد حتماً أن تجري الفرس عدواً.

وفجأة, انفجر ضحك عريض غطى على كل شيء. لم تستطع الفرس أن تحتمل الضربات المتكررة ، فإذا هي تأخذ ترفس وتلبط. حتى الشيخ نفسه لم يستطع أن يمتنع عن التبسم. حقاً ان هنالك ما يبعث على الضحك : كيف ترفس وتلبط فرس ضعيفه مسكينة لا تكاد تقوى على الوقوف. خرج من بين الجمهور شابان فتناولا سوطين ، وركضا نحو الفرس ليجلداها من الجهتين

قال ميكولكا :
– على الخطم ، على العينين ، على العينين !
وهتف أحد ركاب العربة
– أغنية ! أيها الاخوة !

فأخذ الجميع في العربة يغنون بصوت واحد. هي أغنية مسعورة تصدح بها الحناجر وتصاحبها قرعات طبل ، ويتخللها صفير عند تكرر اللازمة. والمرأة السمينة تقضم البندق وتنفجر ضاحكة.

ركض الطفل نحو الحصان ، وأسرع إلى الأمام. رأى كيف كانت الدابة تُجلد على عينها ، على عينها تماماً! .. فأخذ يبكي . انقبض قلبه وسالت دموعه . لامس واحد من الضاربين وجهه بسوط. ولكنه لم يشعر بشيء. لوى يديه ألماً. صرخ ! اندفع نحو الشيخ ذي اللحية الشيباء الذي كان يهز رأسه مستنكراً هذا كله. لكنه تملص منه, وركض نحو الفرس من جديد, لقد انهارت قوى الفرس, ومع ذلك حاولت أن ترفس وأن تلبط مرة أخرى.

صاح ميكولكا يقول وقد استولى عليه حنق شديد :
– شيطان يأخذك !
ورمى سوطه, وانحنى إلى تحت, فتناول من قاع العربة خشبة طويلة ثقيلة ، فقبض على طرفها بيديه ، وأشهرها فوق رأس الفرس بجهد .
– سوف يقتل الفرس
– سوف يهشمها

صرخ ميكولكا
– هي ملكي. ولا شأن لأحد بها !
وهوى بالخشبة على الفرس بكل ما أوتي من قوة ، فدوى في الجو صوت أصم !
صرخ بعضهم
– اجلدوا الفرس ! أجلدوها ! ما لكم توقفتم عن جلدها ؟
فاشتعلت حماسة ميكولكا مزيداً من الاشتعال. وهوى على ظهر الفرس الضعيفة بضربة قوية جديدة. فهوت الفرس عند مؤخرتها ، ولكنها ما لبثت ان انتصبت ، وحاولت أن تجر بكل ما تملك من قوة. أخذت تجر في كل اتجاه من الاتجاهات عسى أن تتحرك العربة. غير أن ستة سياط هاجمتها من جميع الجهات ، وارتفعت الخشبة من جديد فهوت عليها بضربة ثالثة ثم بضربة رابعة ، وتتالت الضربات قوية مطردة ، لقد اشتد حنق ميكولكا لأنه لم يقتل الفرس بضربة واحدة.

وصرخ ثالث
– فلتضرب بساطور ! فلننته منها دفعة واحدة !

قال ميكولكا مرغياً مزبداً والغيض يخنقه خنقاً :
– نعم, فلتذهب إلى الشيطان ! أبتعدوا !

ورمى الخشبة, ثم انحنى مرة أخرى إلى تحت ، فناول من قاع العربة قضيباً من الحديد ، وصرخ يقول مخاطباً الفرس :

– تستحقين !!!
ثم هوى بقضيب الحديد على الفرس المسكينة ، وبكل ما أوتي من قوة ، فترنحت الدابة من شدة الضربة ، وتهالكت ، وحاولت أن تجر العربة مرة أخرى ، لكن قضيب الحديد هوى على ظهرها من جديد ، فسقطت على الأرض كأن قوائهما قد قطعت قطعاً !

صاح ميكوكلكا يقول

– أجهزت عليها !

ونفذ صبره ، فوثب من العربه إلى الأرض. وهاهم فتيان سكارى حمر يمسكون بكل ما يقع تحت أيديهم من سياط أو عصي أو أخشاب ، ويهرعون نحو الفرس المحتضرة. وقف ميكولكا إلى جانب الدابة ، وأخذ يضربها بقضيب الحديد على ظهرها. فمدت الفرس خطمها ، وزفرت زفرة عميقة .. وماتت !

صاح الجمهور يقول

– ماتت
– لماذا لم تشأ أن تعدو
قال ميكولكا صارخاً محتقن العينين بالدم, ممسكا بقضيب الحديد بيديه :
– هي ملكي !
وكان واقفاً منتصب القامة كأنه يأسف على أنه أصبح لا يعرف من ذا يضرب !

هتفت عدة أصوات في الجمهور تقول :
– طيب ! أصبحنا الآن على يقين من أنك لست مسيحياً

ولكن الطفل أصبح لا يسيطر على نفسه, وها هو ذا يشق لنفسه طريقاً بين الجمهور وهو يصرخ صراخاً شديداً ، حتى إذا وصل إلى الدابة أحاط بذراعيه خطمها الميت الدامي ، وأخذ يقبلها على عينيها وعلى شفتيها .. ثم اجتاحه حنق قوي ، فهجم على ميكولكا قابضاً أصابعه الصغيرة ، ولكن أباه الذي كان يلاحقه منذ مدة ، أدركه في تلك اللحظة ، فأمسك به ، وجره إلى خارج الجمهور قائلاً له

– تعال .. تعال .. فلنعد إلى البيت
دمدم الطفل يقول بين شهقتين سائلاً أباه :
– أبتِ .. لماذا .. الحصان المسكين .. فعلوا به ؟
ولكن أنفاسه تقطعت ، وكانت الكمات تتدفق من صدره المختنق مع صرخات
قال الأب
– هم سكارى يرتبكون حماقات. ليس هذا شأننا . تعال.

أحاط الطفل أباه بذراعيه ، ولكن كان صدره ما يزال مختنقاً .. ما يزال مختنقاً اختناقاً شديداً .. وحاول الطفل أن يسترد أنفاسه .. وأطلق صرخة قوية .. واستيقظ راسكولينكوف من النوم .. استيقظ من النوم مبتلاً بالعرق مخضل الشعر لا هثاً. ونهض مذعوراً .. قال وهو يجلس تحت الشجرة ويتنفس ملء رئتيه : ” الحمد لله على أن هذا لم يكن إلا حلماً ! ولكن ماذا حدث ؟ أيكون هذا بداية حمى ؟ يا للحلم العجيب ” !

 

كولمار الفرنسية و بازل السويسرية

كولمار الفرنسية و بازل السويسرية

بعد استيقاظي بعد عناء يوم كامل قضيته في  ( مدينة ستراسبورغ الفرنسية ) ، كنت على موعد جديد ولكن مختلف ، يوم واحد سأزور فيه مدينتين كمحطات توقف ، الا وهي كولمار الفرنسية و بعدها مدينة بازل السويسرية ، والهدف أن أصل ليلاً إلى مدينة زيورخ السويسرية ، المشوار بأكمله سيستغرق ثلاث ساعات ، ساعة أستغرقها حتى أصل إلى مدينة كولمار ، بعدها مرة أخرى ، ساعة طريق ، حتى أصل إلى مدينة بازل السويسرية ، نفس الأمر مرة أخرى أفعلها بعد أن فعلتها بهذه التدوينة ( مدينة نانسي الفرنسية ) ، أعجبتني هذه الطريقة في السفر ولم أشعر أنها متعبة بالنسبة لي ، والمتعة لي بإنها أضافت لي أماكن أكثر لزيارتها ..

france8975647.PNG

1-DSC01140

أنطلقت مع الصباح الباكر من مدينة ستراسبورغ حتى وصلت مبكراً إلى مدينة كولمار ، وعند دخولي للمدينة كان في أستقبالنا تمثال الحرية والمشابه لما هو موجود في مدينة نيويورك ، تفتخر المدينة بإنها مسقط رأس النحات الفرنسي الشهير فريديريك أوغست والذي نحت تمثال الحرية ، والذي كان هدية من فرنسا إلى أمريكا بعد أنتصار الأمريكان على الإنجليز وأشرف عليه فريدريك  ..

1-DSC01145

كان اليوم الإثنين ولم تزل المحلات مغلقة ، يبدو أنها تتأخر في أفتتاحها يوم الأثنين ، هذه أول مدينة أجدها هذا الوقت مغلقة ، أغلب المحلات لا تفتح إلا بعد الساعة الثانية ظهراً .. وجدت مطعماً تركياً جلست على أحدى طاولاته الخارجية لتناول الطعام والاستمتاع بأجواء المدينة الصغيرة ..

1-DSC01149

لا أنصح زيارتها ، لا يوجد بها شيء ، ولكن كما قلت سابقاً كنت أرغب بزيارة كل المدن التي أستطيع زيارتها في أوروبا .. لهذا توقفت بها ..

بعدها قررت إكمال السير إلى وجهتي الأخرى مدينة بازل السويسرية

1-DSC01161

وصلت مدينة بازل السويسرية دون الحاجة للتوقف أو السؤال عن جواز السفر ، كان الدخول سهلاً رغم وجود نقطة تفتيش عند الدخول وكان التوقيف أختيارياً حسب الاشتباه ..

1-DSC01167(1)

إلتقاطة لنهر الراين والذي يمر إيضاً على مدينة بازل السويسرية ، وهو ثاني أكبر نهر في أوروبا بعد نهر الدانوب.

1-DSC01180

وسط المدينة تكاد قطارات ” الترام ” لا تتوقف به ، تجدها تمشي في كل اتجاه ، لذلك عليك الانتباه وأنت تمشي في شوارعها ، فالصورة السابقة للشارع greifengasse.

1-DSC01178

من الأشياء التي لاحظتها بمدينة ببازل و في عموم سويسرا أن الأسعار للتسوق أجدها أرخص من نظيراتها في الدول الأوروبية بالرغم من غلاء السكن و الطعام فيها ، المطاعم فيها من أغلى الدول التي زرتها في حياتي ، فالمتوسط لتكلفة الطعام للشخص الواحد هي من 150 ريال سعودي إلى 250 ريال سعودي ، لكن للملابس والعطور وجدتها أرخص من غيرها ..

1-DSC01190

بقيت في المدينة حتى المساء ، وتحديداً حتى إغلاق المحلات ، كان التسوق فيها والتجول في شوارعها القديمة ممتعاً ، جميلة من يود الشعور بالرومانسية مع التسوق مع المشي على ضفاف نهر الراين ، فالمدينة تشعرك بالسهاد وأنت تسير فيها ، فأنت لا تعرف متى أسراب القطارات تتوقف ، وأين الطرق المائلة ستأخذك ، لكنك رغماً لهذا تسير ، تريد أن تعرف إجابة للسؤال.

1-DSC01197

1-DSC01227

توقفت طويلاً في هذا المكان ، عند الصورة السابقة ، المنظر فيها كان خلاباَ وشاعرياً ، يجعل أحاسيسك تنطلق بالكلمات عند الجلوس على أحد الكراسي والنظر ..

1-DSC01231

في نهاية اليوم قررت التحرك إلى زيورخ و النوم فيها ، فغداً سأبدأ التجول في مدينة زيورخ والتحدث عنها.